الأربعاء، 27 فبراير 2019

التعليق الرياضي، الوجه الآخر للعنف!


 التعليق الرياضي، الوجه الآخر للعنف!
بقلم: السعيد رشدي
لم تعد مشاهد العنف داخل الملاعب تعكس الصورة البانورامية التي كانت تنسجها المخيلة حول البساط الأخضر والمدرجات الملونة بألوان الطيف، الحالمة بالفرجة والاستمتاع بسحر كرة القدم كما كان الحال عليه في الماضي؛ فكثيرة هي الأحداث التي جعلت لحظات الملاعب سوداء منكسرة على أهلها من الرياضيين والمحبين والمشجعين، فتتحول أحلامهم إلى شظايا متناثرة تحرق المدرجات، وتجعل نص المتعة التي تخطها الأقدام بمداد الكرة على أوراق العشب بلا قارئ، والقارئ وحده من يمنح النص وجوده.
 والمباراة نص يجهض معناه العنف فيصير بلا معنى ولا جدوى؛ وما العنف إلا سلوك إنساني خالص وجانب من ذاكرتنا البعيدة، وهذا ما علمتنا الكتب السماوية والدراسات التاريخية؛ إنه ما تبقى من الميراث، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ" (البقرة: 30)، وأسوأه كان بعد العقل والاستخلاف، بما لا يجعله شذوذا، بل سلوكا فطريا متأصلا من الطبيعة، وهي إشارة كولن ولسون: " لقد علمنا عالم الحيوان أن الجريمة ليست إلا جانبا من ميراثنا الحيواني"[1].
يُخرج العنف الذات الإنسانية على الدوام من حدودها الطبيعية والأخلاقية متحديا ومتجاوزا، فتخرج اللغة لحظة إلباسها لبوس الأفكار وتعبر بمعان لا تنضبط لقوانينها، إنها جزء منها وإن من خارجها؛ يا لغرابة اللغة! إنه "المتبقي" بتعبير جون جاك لوسيركل القادر على الانفلات بمحموله من الألعاب اللغوية والاستعارات والإضمار والحذف... لغاية الخرق؛ فيجعل العنف متعينا في الكلام بالفعل تعينه في المتكلم بالقوة، ومبلغ تقدير العرب لـ"الكلام"  إطلاقه على "الملفوظ"؛ وعقد المعنى النووي فيه على تقاليبه وتصاريفه؛ فاجتمعت عليه وأدارته على معنى "الجرح" من باب التصاقب؛ فمنه الملاكمة، واللكمة، والكلم، والمكلوم...، يقول لسان الدين بن الخطيب:
ومن بين مكلوم بحد سيوفها --- تسيل على الأعقاب منه جراحه
ولما كانت المعاني معقودة في نواصي الحروف، صارت اللغة أوقع في النفس من السيوف، فقال الشاعر: 
جِراحات السِّنانِ لها التِئامٌ --- ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ
ومن ذلك ما كان بالتورية والتعريض والمدح المراد به الذم، ومنه قول الحطيئة في الزبرقان:  
دع المكارم لا ترحل لبغيتها--- واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
 فوجه اللغة في البيت المدح وقفاه الهجاء؛ وهو لعب لغوي ظاهره الجد وباطنه اللعب؛ وعليه تكون الكتب بمادتها اللغوية أصدقَ إنباء من السيف، على غير مذهب أبي تمام وتأويل الشراح في قوله:
السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ--- في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ
ولا يبدو أن الشاعر لم يستشعر مذهبه في القول، إلا أن سياق المدح وإكبار الموقف أخذ منه مأخذه؛ فقدم السيف على اللغة، والخليل يقول: الشعراء أمراء الكلام.
 يطفو "المتبقي" فوق اللغة خاصة لغة المعلق الرياضي على مقابلات كرة القدم في النقل التلفزي من دون أن يلقى له بالا أو يثير اهتماما، ليشكل نسقا لغويا موازيا؛ يتمرد فيعكر صفو المقصود وحسن النوايا وسلامة الطوية، إنه العقل الباطن عند لاكان[2]، التوظيف الاستعاري فيه مدخل للتأويل ولترجيح محتملات المعاني بما فيه من البأس والشدة، وما له من القدرة على المناورة والتمرد.
ولئن كانت الاستعارة مدار الأمر في خطاب التعليق الرياضي؛ فإن ما يبرر ذلك هو صناعة الفرجة وإمتاع المشاهد؛ فيلتقي بيان اللغة بسحر الكرة، وإن من البيان لسحرا، والرهان استمالة المتفرجين وتحقيق المشاهدات القادرة على ذر المزيد من الأموال والأرباح للمؤسسات الإعلامية والشركات واللاعبين وأرباب المقاهي والفنادق...، وهنا وجه الاستعارات التي نحيا بها، بتعبير لايكوف.
 وأثناء ذلك، يتخذ خطاب التعليق الرياضي في القنوات الرياضية منحى استعاريا حربيا، ينزّله الجمهور تنزيلا عنيفا، بما يوجه لمأسسة العنف ونشر ثقافته؛ بلغة الإثارة والثأر والجرح... فيذكرنا بصخب الماضي الإنساني الأليم، صخب الكولوسيوم الروماني؛ وصراع العبيد والأحرار والعرض على السياف (Gladiateur) وأنياب الحيوان، تحت تصفيق الجماهير بروح سادية متعطشة للموت ورؤية الدماء، إنه جزء من ذاكرتنا القريبة، وجانب من ماضينا الحقير المستعاض عنه، أوروبيا، بثقافة الفرجة الرياضية والفنية أملا في بعث الروح الإنسانية وقيم التسامح والمحبة، وتجاوز مظاهر العنف والموت ورواسب التاريخ.
ههنا سجل لغوي شاهد على عنف لغة التعليق على مباريات كرة القدم مصدره القنوات التلفزية العربية، سجل يتوزع إلى ثلاثة أنساق كبرى كما صنفها الأستاذ هشام فتح في مقال من مقالاته، وهو النسق العسكري (المعسكر، المعترك، الدفاع، رهيب، رعب، الخوف، الهجوم، الكتيبة، الظفر، الأسلحة...)، والنسق الطبيعي( مواجهة ساخنة، نار نار، الأسود، القرش، زلزال، الطوفان البشري...) والنسق الأخلاقي (الكبرياء، الضيوف، الساحرة المستديرة، أكرم وفادته، الشياطين...)[3]، تتضافر هذه الأنساق لتؤسس خطابا استعاريا قوامه الحرب والعنف والقتال والموت والدمار، معجم الكولوسيوم بلا جدال، والمبالغة فيه للتأثير في المشاهد واستمالته، ديدنه اللعب اللغوي والاستعارة الترغيبية والترهيبية، والإقبال والإعراض، والحث والتنبيه والتحذير،... فيُحمَل بقوة المسموع والمرئي ليعيش صخب الصراع، مستركزا ثنائية النصر والهزيمة والحياة والموت، شعاره البقاء للأقوى؛ بصيغة فنية رياضية لا تخلو من محاججة، تعيد تشكيل الواقع ورسم الأشياء، وتوزع الأدوار والوظائف حسب الحاجة والظروف، لغاية النقد والإقناع بوجاهة الرأي وصواب الموقف.
 يستطيع المعلق الرياضي إنشاء خطاب استعاري كولوسيومي، يتمكن منه بلغة واصفة تخاطب الخيال وتعطل العقل، لغة غريبة تمزج بين الواقعية والمبالغة في الوصف بالاستعارة، فتتأسس الفرجة بلغة العنف وثقافته؛ يُحمَل بها المشاهد، سيكولوجيا، على تبني سلوكات تمتح وجودها ومادتها منه، فينعكس ذلك عليه وعلى خطاب الشارع لتكرسه البيئة؛ فمعجمه أفعال وصفات إنجازية تداولية "actes de langage" تؤثر في سلوك الجمهور، وتؤسس الاختلاف في طقوس الفرجة والنقل التلفزي للمباريات الكروية بين دول شمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه وشرق آسيا وغربها، طقوس تؤثر سلبا أو إيجابا، تعضدها عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية كالفقر والمخدرات والبطالة والجهل...، والفرق واضح بين مشجعي دول الشمال ومشجعينا، نحن سكان الجنوب، وبين بلدان شرق آسيا وغربها في دورة كأس العالم الأخيرة بروسيا.
ولا ينكر أحد ما يكون للمعلق الرياضي، عادة، من قدرات خطابية مستمدة من اللعب اللغوي بالاستعارة والكناية والحذف والإضمار...، بالمقابل تتأكد مسؤولية الإعلام الرياضي في تكوين هذا الخطاب ونتائجه، خاصة وأن الاستعارة الرياضية الحربية تستطيع الانفلات من سيطرة المتكلم ومقاصده وأعراف اللغة وقوانينها، لتتحول إلى "متبق" مارد قادر على الخرق والهدم، لتكون من الاستعارات القاتلة بدل التي نحيا بها.
ولسنا نميل للقول إن الثقافة الرياضية العربية عنيفة بالمنشأ والبيئة؛ فالإسلام صحح مظاهر العنف ومشتقاته؛ من حقد وجهل وتنابز... المتوارثة عن الجاهلية تصحيحا مؤسِّسا لا رجعة فيه، والثقافة جسدت هذا التصحيح منذ مسار تاريخي طويل، والعودة إليه نكوص ثقافي وحضاري، وعليه فإن الدعوة إلى بحث الإبدالات الممكنة للاستعارة الحربية في التعليق الرياضي الإعلامي العربي أمر مطروح، وشرط إمكانه يبدأ من الوعي بأضراره وتوجيه البحث إليه داخل مختبرات البحث اللساني والإعلامي في مراكز البحث والجامعات، وتجريب  مدخل المقاربة بالنوع  لكسر الهيمنة الذكورية، وينتهي بخلق آليات التواصل بين مؤسسات البحث والإعلام وتبني النتائج.   
المصادر:
-      القرآن الكريم
-         جون جاك  لوسيركل ، عنف اللغة، ترجمة محمد بدوي، المركز الثقافي العربي، ط1، 2005.
-      كولن ولسن، التاريخ الإجرامي للجنس البشري، سيكولوجيا العنف، ترجمة رفعت السيد علي، إصدارات حور، ط1، 2001.
-      مدونة الأستاذ هشام فتح: madakhiil.blogspot.com  
     
هذا الموضوع منشور بالموقع الإعلامي كواليس اليوم، تحت الرابط:       
http://www.cawalisse.com/permalink/28987.html

ندوة المنجز اللغوي لتلميذ المدرسة المغربية، 2013، كلية اللغة العربية، مراكش، المغرب.



السبت، 29 ديسمبر 2018

في حضرة الأسطورة والاستعارة !

في حضرة الأسطورة والاستعارة !
https://m.hespress.com/writers/417171.html
بقلم: السعيد رشدي
مع الأسطورة الأمازيغية؛ يظهر الإنسان حاملا لقضايا وجودية كثيرة؛ تنهض على إبراز اللاوعي الجمعي، وتُوجِّهُه لتفتيق طاقات إنسانية لامحدودة وقادرة على تأهيله لمقاضاة القوى الروحية في منازعاتهما البينية التي يكون دعواها عادة قضايا الجسد، ليحتكم الجنسان معا لقاضي الجن المدعو "شمهروش"؛ قاض بديوان مظالم يتجاوز كل التصورات والأخيلة، تنزل أحكامه بردا وسلاما على الجميع، فيستريح الجسد وترتاح الأرواح.
 هكذا تصور الأسطورة قاضي الأطلس "شمهروش" الذي تحتضن بلدة "إمليل" السياحية ضريحه؛ مرجع التفوق الإنساني ورمز الاستعلاء؛ أليس "شمهروش" كائنا ناريا؟ ألم يُشد إلى الأرض فضم التراب رفاته؟ إننا لا نعلم حقيقة كل المعطيات المؤطِّرة لهذه الأسطورة، ولا نعرف الوقائع التاريخية المحيطة بالضريح تصريحا ولا تلميحا، لكن ما نعرفه يقينا أن توظيف هذا الاسم الأسطوري للإحالة على واقعة "إمليل" الإرهابية تفتق اللغة فيه، حقيقة ومجازا، دلالات وإيحاءات وعوالم شتى متعددة الأنساق والرموز، تختلط فيه العناصر والأمشاج لتوحد المختلف، وتضم الممكن إلى المستحيل؛ ويتقاطع الغيب مع الشهادة، وتتعالق النار بماء الأطلس وترابية الإنسان، لتنبثق الحياة من رحم هذه العلاقات والعناصر، وتصير الحدود بين الأجناس والطوائف والأديان والمذاهب والأعراق غير ذات معنى ولا جدوى؛ تاركة الفضاء لمعان أخرى أعمق وأسمى من كل وصف؛ معاني الحب والأمن والسلام.
ولم يكن ليكسر هذا الواقع سوى الحادث المؤسف الذي ذهبت ضحيته فتاتان إسكندنافيتان بريئتان؛ واقعة تحيلنا على سوابقها التي لم تندمل جراحها بعد في المغرب وخارجه، بما لا نرتضيه لوطننا ولا لقيمنا ولا لديننا ولا لإنسانيتنا، وإلا فما رأي الفاعل في قول الله تعالى :" مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"[1]، وفي قوله: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"[2]، وفي قوله :"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"[3].
       إن جريان اللسان، تداولا وتدويلا، بالإحالة على الواقعة بالتركيب الإضافي الاستعاري "حادث شمهروش" استبطن المدثر الأسطوري في اللغة فشاركتها الإشارة؛ لتوحي بفراغ الحادث، حقيقة، من كل معنى موضوعي يقبله العقل الإنساني فراغ الأسطورة من المعاني الواقعية، غير أن الأمر ليس كذلك لغويا؛ فالاستعارة معضَّدة بالتركيب الإضافي المجازي كانت جسرا لتدوير معان أخرى منبثقة من اللاوعي الجمعي للأهالي ورؤيتهم للعالم.
لقد أثبت التركيب الإضافي الاستعاري في توظيف الحادث أن الإنسان يحيا بالاستعارة، كما قال لايكوف، بها نقل الحقائق الكونية في كل أبعادها وتجلياتها، وإلا فحق الحادثة أن تنسب أو تسند لفاعلها لتتعرف أو تعين أو تخصص، لا أن تنسب لفاعل غير حقيقي أو حتى ليس من جنسه أو جلدته أو طبيعته، لتمزج الصورة بنفَس شعري تراجيدي بين عالمين؛ طبيعي وماورائي، مزجا كيميائيا بطقوس أقرب ما تكون إلى السحر؛ فنتخيل حقيقته بشكل لم يكن أحد يتصوره، وإذا كان الأسطوري قادرا على الانفلات من سطوة التاريخ بقاعه الطوباوي، على حد تعبير منصف الوهايبي، فإن مغالبة المعنى بإسناده لشمهروش موجه لتبرير الاختيار؛ تعبيره إعلان الرغبة الجماعية في النسيان والتجاوز، وعقد الأمل في عدالة تنصف الضحايا هنا وهناك.
 إن اسم "شمهروش" الأسطوري بذاكرته المكتنزة بدلالات العدل وإيحاءات القوة والقهر، وبعوالمه الحاضرة والمشدودة إلى أرض الأطلس وإلى جبروت جغرافيتها، وماورائياته المحكية على لسان الأهالي في تسابيح ذواتهم التي تبوح كل يوم في سفوح "توبقال" بعشق الطبيعة والجمال والهدوء والاسترخاء، يكشف عمق الرؤية الوجودية لهذه الأسطورة، كما يستبطن أسرار تعلق الزوار من كل بقاع العالم بهذه الأرض وتاريخها وثقافتها، بما لا يتوافر في التوظيفات الزمنية والمكانية الموظفة لشبيهاتها.



[1] - سورة المائدة، الآية: 32.
[2] - سورة النحل، الآية: 125.
[3] - سورة البقرة، الآية: 256.

الاثنين، 28 مايو 2018

بلاغة الماء في شعر عبد العزيز الفشتالي

بلاغة الماء في شعر عبد العزيز الفشتالي
السعيد رشدي                                                                  
 تجربتي مع شعر عبد العزيز الفشتالي (956م)؛  لم تكن حديثة العهد؛ فقد تعرفت على جزء غير يسير من إنتاجه الغزير منذ سنوات الجامعة، ومما يغري بالمتابعة والتأمل النقديين تيمة الماء لا باعتبار ما وقف عليه وحسب، ولكن طبيعة الإحاطة به وتوظيفه الشعري بدلالاته الكثيرة والمتباينة الموزعة وفق مسارات وأنساق ثقافية وسياسية تكشف عنها بعض نصوصه منها قصيدته المعروفة بـ"القبة الخمسينية". ومما لاشك أن توظيفات الماء في النصوص الأدبية تجد صداها ورجعها في أنساقها الثقافية والدينية والاجتماعية الموازية التي تشكل مرجعها دلاليا ووظيفيا.
لم يكن الماء في الثقافة العربية مجرد عنصر حيوي أساسي للحياة، فالقرآن الكريم رسم صورة الماء وبين رمزيته وعلاقته بالإنسان والخالق والكون؛ فعبر عن أبعاده وأهميته في نشوء الحياة وضمان استمراريتها بقوله تعالى "وجعلنا من الماء كل شيء حي"[1]، بل وتدميرها أحيانا في قوله إشارة إلى قصة نوح عليه السلام "وفار التنور"[2]، وتجاوز الأمر إلى جعله مظهرا من مظاهر السلطة ووسيلتها في قوله تعالى "وكان عرشه على الماء"[3]، ومعرفة هذه السلطة وتمثل امتداداتها لا تتم إلا به وعبره، وصوّر حاجة الناس إليه في معاشهم بقوله:" ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون"[4]....
وغير بعيد عن القرآن، عبر الأدباء عموما والشعراء خصوصا عن ذات الأبعاد العقدية والاجتماعية والثقافية، وتتبعوا صوره وتجلياتها؛ فظهر في الشعر الجاهلي مستأثرا باهتمامهم، وكذلك كان الحال في المرحلة الأموية والعباسية، والشعر الحديث؛ ومن النقاد القدامى المهتمين والسباقين لإبراز صوره الثقافية في الشعر العربي، خاصة العباسي، نذكر الصولي في معرض دفاعه عن أبي تمام في قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني""" صب قد استعذبت ماء بكائي
  لقد شحذ الصولي لموقفه النقدي كل ما يحيط بالماء ورمزيته من دلالات ثقافية، وما ميز توظيفه الاستعاري في سياقات القول عند الشعراء؛ كأبي العتاهية وذي الرمة وابن أبي ربيعة وغيرهم؛ فتحدث عن ماء الملام وماء الصبابة وماء الوجه... [5]  إلى غير ذلك؛ على نحو عكس غنى حقله المفهومي ورصيده الرمزي الثقافي والقيمي الحضاري.
  ولم يكن احتفاء الشعراء بالماء ورمزيته الثقافية في المغرب أقل حظا عن نظرائهم في المشرق، بل إن احتفاءهم به كان أكثر تميزا متأثرين بطبيعة بيئتهم خاصة في الأندلس والمغرب؛ ومن هؤلاء نذكر شاعر البلاط السعدي عبد العزيز الفشتالي في قصيدته المعروفة في وصف "قصر البديع" والتي مطلعها: "سَمَوتُ فَخرَّ البَدرُ دونِيَ وَاِنحَطّا".
 تعد قصيدة وصف "قصر البديع" من أجمل قصائد الفشتالي؛ ذلك لأن الشاعر جدد في قصيدته وأبدع في موضوعها أيما إبداع، وتم له ذلك عبر مائية المعجم الموظف؛ ولم يكن ذلك ليتحقق لولا أنسنته لقصر البديع؛ فجعل الشعر يتدفق على لسان قبته الخمسينية وباقي مكوناته العمرانية مانحا إياه حركية مطلقة في الفضاء الكوني الشعري؛ وفق ذلك جاء شعره مملوءا بالمشاعر والآمال افتخارا به وبما يرمز إليه من سلطة في صورة تمزج بين العالمين الأرضي الثقافي والعمراني، والفلكي الكوني والطبيعي، وكان الأمر وفق بناء شعري تخيلي ظهرت فيه فاعلية نفسية ميزت الشاعر أثناء تركيبه لها على نحو يكشف عن أسلوب متميز في ابتكار الصور أهم ما ميزه ارتقاء الصورة في مخيلته قبل تحصل القول؛ فالشعر أسبق في الوجود من قوله كما يقال؛ لقد تناول الشاعر الفضاء الكوني لقصيدته بما يمكن أن نطلق عليه بـ"التبادل المقامي"؛ فجعل معماريته لا تنتظم وفق منطقها الطبيعي بل وفق منطق شعري خاص تهيأ له الشاعر نفسيا ووجدانيا؛ قوامه علوية معمار القصر"السلطة" سلطة الدولة السعدية وبلاطها الممتد في الفضاء المكاني للغرب الإسلامي، وسفلية المكونات الفلكية والكونية؛ من كواكب وأجرام وغيرها، المكون الطبيعي، بما يعكس سمو السلطة السعدية  ومنجزها الثقافي والحضاري، يقول الفشتالي:
سموت فخر البدر دوني وانحطا""" وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا
وصغت من الإكليل تاجا لمفرقي""" ونيطت بي الجوزاء في عنقي سمطا
ولاحت بأطواقي الثريا كأنـــــــــــــــــها""" نثيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر جمان قد تتبعته لقطا
وعديت على زهر النجوم لأنني""" جعلـــــــــــــــــــت على كيوان رحلي منحطا*
ولعل هذه الصورة الشعرية الفضائية الراقية تظهر حجم الانسجام الحاصل بينها وبين نفسية الشاعر التواقة لمظاهر الرقي والارتقاء السياسي والثقافي والعلمي؛ ولاسيما وأنه شاعر البلاط والناطق الإعلامي للدولة السعدية على عهد المنصور الذهبي، فهي إذن جزء من حياته المتصلة بالسلطة، إن صورة السمو والارتقاء في الفضاء الكوني كما رسمها الفشتالي تجد صداها وارتدادها الثقافي والتناصي في بعض النصوص المقدسة؛ ومنها النص القرآني في قوله تعالى في سورة يوسف: "إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين" [6].
 ولئن كان تعبير الرؤيا "سجود الفلك بكل مكوناته ليوسف عليه السلام" تحقق وفق النص القرآني ذاته بالاتصال الحاصل بين يوسف وإخوته بعد القطيعة واسترجاع الماضي وحلوله في الحاضر؛ فإن ثمة ما يؤشر على هذا البعد الاتصالي أيضا في قصيدة الفشتالي بما تحقق من التداخل المنسجم بين الكوني والإنساني، والذي مؤداه حلول ماضي الدولة في حاضرها في صورة امتزج فيها الفضاء المكاني والزمني والطبيعي والحضاري بعد القطيعة؛ وما يبعث الحياة في هذا الاتصال ويضمن استمراريته وتواصله هو الحركة الفلكية للأجرام والكواكب الواردة في النص في علاقتها بالقصر وتبعيتها له، هذا التواصل تحقق بالصورة المؤسسة على اتصال الفلك والماء من جهة والشاعر والقصر من جهة أخرى عبر جسر كان يظهر حجم حضور الماء والذي اتخذ في الصورة موقعا مركزيا يرتبط بالحركية؛ فعبر عنه الشاعر بمعجم اتسم بتكثيف المصطلحات الدالة عليه وفق علاقات خاصة يقول:
وأجريت من فيض السماحة والندى           خليجا على نهر المجرة قد غطى
عقدت عليه الجسر للفخر فارتمت         إليه وفـــــــــــــــود البحر تغرف ما أعطى
يشق رياضا جادها الجود والنـــــدى      سواء لديها الغيــــــث أسكب أم أخطـــــــــــا
وسالت بسلسال اللجين حياضــــــــــه      بحارا غدا عرض البسيط لها شطـــــــــــا
تطلع منها وسط وسطاه دميـــــــــــــــــة       هي الشمس لا تخشى كسوفا ولا غمطا
حكت وحباب الماء في جنباتها        سنا البدر حل من نـــــــــــــجوم السما وسطا*
إن تتبع الحقل الدلالي للماء يظهر تأسسه على مجموعة من العلاقات؛ منها علاقة الاتصال الحاصلة بين الأجزاء (النهر والخليج والبحر والشط) وحقل الماء/الكل؛ فالبحر هو ذلك الامتداد الواسع للمياه، والخليج بعض منه حاصل من تضايق الامتداد المائي وتداخل أطراف اليابسة واقترابها من بعضها، وقد يتصل النهر بالبحر أو الخليج أو هما معا ولكل واحد منها شط؛ ومن هذا الفضاء المائي المتسم بالحركية انبتقت بقية المصطلحات المائية الموظفة؛ ومن ذلك: حباب الماء، والندى، والغيث، أسكب...، فتداخلت واتصلت ببعضها اتصالا طبيعيا، مقدمة الصورة ومجسدة لاتساق وحدات المقول الدلالية ومعبرة عن السياق السياسي للنص، صورة كشفت عن عنصرين مركزيين البعد الاتصالي للماء وسيميائيته المتصلة بالفلك من جهة والتبادل المقامي الحاصل فيه من جهة أخرى، وهو ما جعل القصيدة برمتها استعارة مائية فلكية تمحي فيها الحدود والفواصل.



[1] - سورة الأنبياء، 30.
[2]- سورة هود، 40 .
[3] -سورة هود، 7.
[4] -سورة القصص، 23.
[5] - الصولي، أخبار أبي تمام، ص:33
[6]سورة يوسف، الآية :4. 
  شعر عبد العزيز الفشتالي ، جمع وتحقيق ودراسة نجاة المريني، مكتبة المعارف،الرباط، 1986، ص:341-344.*

الاثنين، 26 يونيو 2017

هل يمكن الاجتهاد مع النص؟

هل يمكن الاجتهاد مع النص؟
بقلم: السعيد رشدي
بثت قناة Télé Maroc المغربية  يوم 23 يونيو 2017 برنامجا استقبلت فيه صاحبته ضيفا خاصا عرف يوما بانتمائه للتيار السلفي المتشدد هو محمد عبد الوهاب الرفيقي المعروف بـ"أبي حفص"، في هذا الحوار الطريف، أطل علينا الشيخ بإشراقاته السريالية وهو يدعو إلى فتح نقاش حول قانون الإرث الإسلامي ما كان منه بالفرض أو التعصيب، وذلك في ظل التحولات الجديدة التي يعرفها المجتمع المغربي، ومن ذلك الآية 11 في سورة النساء، والتي يقول فيها الله تعالى :"يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ"فَإِن كُنَّ نسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ  فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"[1]،  كما تساءل الشيخ عن مدى إمكانية تطبيق هذا النص المحكم في "زمن ما" من عدم ذلك في "زمن ما" بتعبيره.
 يُظهر هذا الموقف الفكري الخطير حجم الانزياح الحاصل في الخطاب الديني عند بعض السلفيين، خطاب تميز بمظهرين متضاربين مختلفين اختلاف تضاد؛ مبتدؤه التماهي مع الخطاب السلفي المتشدد في مرحلة أولى، وخبره القطيعة مع هذا الخطاب في مرحلة لاحقة والانغماس في خطاب الحداثة والانفتاح والليبرالية.
هذا التضارب والتقاطع الحاصل في مسار فكر الرجل وتحول قناعاته المعرفية بين وضعيتين شاذتين؛ التشدد من جهة والليبرالية المطلقة من جهة أخرى تجعله متشددا في كلتا الحالتين، فبين المسارين تم التغافل عن منطقة وسطى هي وسطية الخطاب الإسلامي واعتداله، وغني عن البيان أن ما دعا إليه الشيخ يطرح إشكالات تتصل رأسا بالاجتهاد تعريفا وضوابط من جهة، ومن جهة أخرى من حيث طبيعة القضايا التي يمكن الاجتهاد فيها والتي لا يمكن، بالإضافة إلى توقيت هذا المطلب المتكرر في أكثر من مناسبة، وفي هذا نقول: إن الاجتهاد مبحث  فقهي أصولي بحت، تعريفه هو افتعال من الجهد، والجهد الطاقة والمشقة كما جاء في لسان العرب[2]. وفي الاصطلاح الشرعي عند الشاطبي: "استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم" [3]؛ ومعناه بذل الوسع أو الطاقة والجهد في معرفة وتحصيل الحكم الشرعي عن طريق العلم أو الظن؛ والعلم إشارة إلى اليقين، والظن ترجيح بين أمرين أحدهما أقوى؛ فالاجتهاد بهذا المعنى هو بذل الجهد من طرف المجتهد في سبيل معرفة خطاب الله في أفعال المكلفين، وعلى هذا الأساس فإن الحكم التكليفي الذي يمكن استنباطه من قوله تعالى" يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ " هو وجوب تقسيم تركة الهالك وفق القاعدة الرياضية الآتية: "للذكر مثل حظ الأنثيين"، وهذا هو المنصوص عليه في الآية بعيدا عن إشكالات الظروف والزمن والمكان، وبعيدا عن كل ألوان التطرف الفكري؛ لأن هذا النص قطعي الثبوت والدلالة، وكل الأحكام قطعية الثبوت والدلالة، كما هو الحال هنا، لا يجوز الاجتهاد فيها؛ إذ لا اجتهاد مع النص كما يقول الفقهاء والأصوليون وعلماء الأمة.
والحكم الوارد في الآية أعلاه نص لا يقبل الجدل، والنص عند الفقهاء هو التعيين والتوقيف، وهذا هو الظاهر في الآية، ويعضد ذلك قول الشريف الجرجاني في تعريفه للنص "ما ازداد وضوحا على الظاهر لمعنى من المتكلم "[4]، وعند الأصوليين هو ما دل ظاهر لفظه عليه من الأحكام، فهل يمكن الاجتهاد مع النص؟  يقول الغزالي جوابا عن هذا السؤال :"والمجتَهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي"[5] ويدعمه قول الآمدي:" وأما ما فيه الاجتهاد فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظني" [6]وهذا غير متحقق في الآية موضوع هذه الورقة؛ لأن الحكم الوارد فيها قطعي الثبوت والدلالة ولا يجوز صرف مدلوله الشرعي عما هو ظاهر في مدلول النص، وأما ما يجوز فيه الاجتهاد فهي النصوص ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة أو ظنية الثبوت والدلالة معا أو القضايا الحديثة التي لم يتعرض لها  النص القرآني أو الحديثي والتي لم تنل إجماع العلماء على شرط مراعاة المقاصد الشرعية المعروفة، حينئذ يمكن للمجتهد الذي تتوفر فيه شروط الاجتهاد أن يجتهد.
قد يقول قائل إن هذه الآية نزلت في ظرف خاص ولأسباب  متعلقة بحادث استشهاد الصحابي سعد بن الربيع، فكيف يتم تعميم الحكم التكليفي هاهنا؟
للوقوف عند هذا الموضوع نود الإشارة أولا إلى سبب نزولها، فقد ذكر الفخر الرازي في التفسير الكبير أن سبب نزولها هو ما روي عن "عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا، فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعداً قتل وان عمهما أخذ مالهما، فقال عليه الصلاة والسلام: " ارجعي فلعل الله سيقضي فيه " ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال:" أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك"[7]، لعل أول ما يثار في هذه الآية خصوصية سبب نزولها؛ فهي نزلت استجابة لحاجة اجتماعية تخص بنات سعد بن الربيع بعد استشهاده، ولنا أن نسائل ذواتنا هل العبرة بخصوص سبب نزولها أم بعموم لفظها، ذهب الأصوليون الأقدمون والمحدثون إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا النزر اليسير، ومقتضى هذه القاعدة الفقهية وجوب تعميم مضمون الآية على عموم المسلمين دون اعتبار خصوصيات الأمكنة ولا ظروف الزمن ولا تغير الأحوال، لا حصر تطبيقها على عائلة سعد بن الربيع فقط، يقول الرازي:" وإما إذا كان الجواب أعم في غير ما سئل عنه فلا شبهة في أنه يجري على عمومه وأما إذا كان الجواب أعم مما سئل عنه فالحق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"[8]. وعلى هذا الأساس، فإن هذا الحكم الشرعي ملزم لعموم المسلمين وليس لعائلة سعد الشهيد فقط؛ إذ عمومية لفظه جرّته على عموم المكلفين وبشكل ثابت وبدون اعتبار سبب النزول ولا خصوصية زمنه أو مكانه أو حاله حتى ولو تغيرت أحوال المجتمعات وتبدلت باعتبار الزمن أو التاريخ أو قوانين التطور، لأن التفكير أو الإيمان بمبدأ تاريخية النصوص القرآنية* مسألة خطيرة على مستوى الكلام الإلهي والمتكلم به (الله)؛ وذلك لما يؤدي إليه من الانتقاص من قدرته وعلمه المطلق وإحاطته، تنزه الله جل وعلا عن ذلك، ومن وقع فيه فقد أعظم الافتراء على الله بغير علم.
ويظهر النظر في هذه الآية أهميتها الدينية والاجتماعية؛ لأنها تتضمن قسما هاما من أقسام فرائض الدين، وهي فرائض الإرث؛ أي ذلك النصيب المقدر للوارث في مال الهالك شرعا وفرضا لا تعصيبا، هذا النصيب الذي تولى الله سبحانه بيانه وتوزيعه بالقسط على العباد بنفسه ولم يتركه لرسوله ولا لاجتهاد الفقهاء والعلماء بمقتضى علمه المطلق وحكمته وإحاطته، وقد تم ذلك بأسلوب واضح ومحكم، وشاء أن يتولاه بنفسه بعد أن بينت جاهلية ما قبل النبوة والأحكام والقوانين الوضعية قصورها في حفظ الحقوق وصيانتها وإيصالها لأهلها، خاصة ما كان يتعرض له المرء من ألوان الظلم والمنع من الإرث بذرائع شتى؛ متعلق بعضها بالجنس(الإناث) أحيانا وبالسن(الصغار) أو ترتيب ذوي الحقوق في أحايين أخرى؛ فكانت تحرم الأنثى وكان يحجر على الصغير غير القادر على المشاركة في القتال والضعيف....
 وجعْل مطلب مراجعة هذه النصوص موضوعا للنقاش اليوم على لسان هؤلاء الذين يدّعون اهتمامهم بحقوق الإنسان في المؤتمرات تقريظا ويغتصبونها تأدية وتطبيقا، يأتي في سياق عالمي تعالت فيه أصوات وترددت هنا وهناك تستهدف هذا الركن الأعظم من تشريع الله، أصوات أجنبية مباشرة أحيانا وداخلية بالوكالة أحيانا أخرى، هذه الأصوات تضمر العداء وتظهر الدفاع عن حقوق الإنسان والشعارات الجوفاء، غايتها تسلق المناصب والجني والاكتساب، وهؤلاء هم الأخطر اليوم على الأمة، لأنهم استبدلوا البناء بالهدم فضعف الطالب والمطلوب، إن مطلب مراجعة علم الفرائض على ضوء مستجدات العصر يتغيا انتزاع هذا العلم وجعل التصرف فيه يتم وفق الأهواء، وهذا لن يحصل، بإذن الله، من المسلمين علمائهم وعامتهم؛ فقد نبه إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، ومن ذلك ما رواه الدارقطني عن رسول الله بقوله :"تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو أول شيء ينسى وهو أول شيء ينتزع من أمتي"[9] وروي عن عبد الله بن مسعود قول رسول الله:" تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني ٱمرؤ مقبوض وإنّ العلم سيقبض وتظهر الفِتَن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما"[10]، والمقصود بالفرائض هذا العلم.
  ومنطوق النصين الحديثيين يظهر أهمية تعلم أحكام الإرث في الإسلام وبيان مقتضياتها وما فيها من عدل مطلق بين الذكور والإناث وبين الصغار والكبار، ونلفت النظر إلى أن بيان ذلك تولاه العلماء منذ قرون ومازالوا؛ فبينوا عدل الإسلام في توزيع الميراث، وأما الرد على هؤلاء فكان الفضل فيه لكثير من العلماء المعاصرين منهم العالم الفاضل مصطفى بنحمزة الذي تفضل في كثير من المناسبات ببيان حقيقة نظام الإرث في الإسلام، والمساواة في الإرث، وسعادة المرأة في اختيار نظام الإرث في الإسلام، وهي مواضيع نشرتها مجموعة من المنابر الإعلامية.
  وأحكام الإرث تدخل في الفرائض المصرح بها في القرآن الحكيم ضمن الآيات المحكمات، ومحكمات القرآن هي الآيات واضحة الدلالة في مقابل المتشابهات وليس ما هو ثابت في القرآن، يقول تعالى:" هُو الذي أَنزل عليكَ الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أم الكتاب وأخر مُتشابهات" هذه الآيات أحكامها قطعية؛ لأنها قطعية الثبوت والدلالة معا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال جعلها في مرمى الاجتهاد بحجة حصول التحولات الاجتماعية وتحرر المرأة وعملها خارج المنزل وإنفاقها وتغير أحوال معاش العباد.
يطرح حديث الشيخ عن أحكام القرآن قطعية الثبوت والدلالة ومدى إمكانية تطبيقها باعتبار الزمن إشكالات خطيرة متعلقة بالزمن والقرآن، هل القرآن صالح لكل زمان؟ وما علاقة الزمن بالقرآن؟  أليس القرآن متعاليا عن الزمن؟
يعد الزمن من المواضيع التي اهتم بها العلم الحديث، غير أن ما يهمنا في هذا النقاش هو الزمن الفيزيائي الطبيعي والزمن النحوي وعلاقتهما بالقرآن الكريم.
القرآن والزمن الفيزيائي: علاقة القرآن الكريم بالزمن الفيزيائي مازالت لم تحظ بالدراسة العلمية الكافية، خاصة إذا نظرنا إلى القرآن باعتباره كلاما إلهيا قديما، والقدم من الصفات الإلهية التي لم يختلف فيها العلماء، والتي تفيد أولية الله سبحانه وتعالى وأزليته، يقول تعالى :" هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " [11]ووصف الله لنفسه بالأول والآخر لا يعني ارتباط هاتين الصفتين بالزمن أو أنهما مصوغتان وفقا لمعاييره؛ لأن هذا الأخير، أي الزمن، جزء من مخلوقاته، أقسم به في كثير من الآيات كما أقسم بغيره، وأحاط به كما أحاط بكل شيء فقدره وفق معطيات خاصة ترتبط بالأمكنة والفضاءات المتعددة ومجال حركتها؛ فكان للزمن ومتعلقاته في الأرض تقدير يتحدد بمجال الحركة حول الشمس بشكل مختلف مع بقية الكواكب؛ فالأيام والشهور والسنة تتحدد في كل كوكب باعتبار موقع ومجال حركة هذه الكواكب في علاقتها بالشمس. ووفقا لذلك، فإن الزمن الفيزيائي له تقديره الخاص، وكينونته لا تتحدد إلا بالمكان وحركته، وخارج هذا الإطار لا يمكن الحديث عن الزمن.
إن ارتباط القرآن الكريم بالله تعالى وقدمه يجعله كلاما مُخضعا للزمن وليس خاضعا له؛ وذلك بخلاف كل المخلوقات والأشياء التي ينسحب عليها طارئ الزمن؛ فكلام الله محيط بقصة الخلق من البداية إلى النهاية، وهو ما توضحه مجموعة من الآيات، منها قوله تعالى:"أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ"[12]، هذه الآية الكريمة تصور حدوث يوم القيامة كأنه حقيقة ثابتة متحققة بالمعرفة الضرورية، وإن كان هذا اليوم في طور الانتظار بالنسبة للإنسان في الزمن الطبيعي؛ هذه الآية توعد فيها الله الكافرين بسبب استهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ابن عاشور:"  صدّرت السورة بالوعيد المصوغ في صورة الخبر بأن قد حلّ ذلك المتوعد به. فجيء بالماضي المراد به المستقبل المحققُ الوقوع بقرينة تفريع { فلا تستعجلوه } ، لأن النهي عن استعجال حلول ذلك اليوم يقتضي أنه لما يحل بعد."[13]، ومنه يتضح أن الله سبحانه وتعالى يصور أخبار الخلق والكون وفق ما شاء في الزمن؛ فيصورها أحيانا في الزمن الماضي وأحيانا في زمن المستقبل وقد يخبر عن المستقبل بالماضي لأغراض بلاغية منها ما عُلم ومنها مازال ينتظر الفهم والإفهام؛ فنستنتج أن الله متعال بذاته وكلامه عن الزمن؛ إذ لم يجعل الزمن يجري عليه وعلى كلامه جريانه على مخلوقاته.
هذه الحقيقة العلمية الثابتة تظهر أن القرآن الكريم في علاقته بالزمن يسير وفق نظام خاص قائم على الإخضاع لا الخضوع، وهذا ما يجعل تكييف مقتضياته وأحكامه لتحولات الزمن انتقاصا من قدرة الله وسعة إحاطته وحكمته وعلمه المطلق، يقول تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:" وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ"[14] وسعة علم الله بالأشياء يجعل علمه محيطا بالزمن في ما مضى منه وفي ما هو آت.
القرآن الكريم والزمن النحوي: تتصل هذه العلاقة بين القرآن الكريم والزمن على مستوى أسلوب سرد وحكي الأحداث في القرآن الكريم وبناء الأفعال، ولإيضاح تَعَالِي القرآن عن الزمن وإخضاعه له على عكس المتصور فإنا سنقف عند قوله تعالى :"  مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"[15]، يوضح الله تعالى في هذه الآية أن ما عند الإنسان على سبيل الاستخلاف من مال وعُمر وممتلكات عقارية وغير ذلك ينفد، ولبيان هذا النفاد وكيفيته وسرعته عبّر الله تعالى عنه بتوظيف الزمن الحاضر"ينفد" والذي يعبر عنه نحويا بالمضارع، هذا الزمن اللغز يعرف في مجال القياس بسرعة نفاده وعدم ثبوته على حال؛ فالزمن الطبيعي لا يلبث أن يكون إما مستقبلا قادما أو ماضيا منتهيا، أما المضارع فلا وجود فيزيائي مستقر وثابت له؛ إذ سرعان ما ينفد وينقضي، وهذا حال مال الإنسان وعمره وزمنه، فكان تعبير الله عن هذا المعطى بالمضارع خير بيان لتلك الدلالة، وأما ما عند الله مما خلق وسيخلق فهو باق، وهذا البقاء مستقل عن الزمن ولا يخضع لجريانه عليه إطلاقا بل يتعالى عنه لأنه باق لا ينفد، وقد عبر الله تعالى عن هذا المعنى باسم الفاعل "باق" بدلا من "يبقى"، وبهذا التعبير القرآني جُرّد حدث البقاء من الزمن؛ بأن انزاح من الفعل إلى اسم الفاعل حتى لا يخضع لشروطه، وصار باقيا بالقوة.
 وبذلك يظهر أن قضية الاجتهاد وعلاقته بالنصوص القطعية علاقة محسومة، لا تتأثر ولا يجب أن تتأثر بمعطيات التحول والتطور داخل المجتمعات، وأن الزمن في القرآن الكريم يخضع لمقتضيات خاصة يظهر فيها القرآن متعاليا كما يظهر فيه الزمن خاضعا طائعا؛ فالقرآن الكريم كلام صادر عن عقل مطلق يقدم الزمن وفق تصور محكم يبرز تعالي الخطاب الإلهي وصلاحيته لكل الحقب، وعلى هذا فإن وضع الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة بسبب التطور والتحولات في مرمى الاجتهاد مسألة خطيرة، وأن ما يمكن أن يتناوله الاجتهاد هو ما يرتبط بفقه النوازل التي تتصل قضاياه ونوازله اتصالا واضحا بظني الثبوت والدلالة من الأحكام أو ما لم يحصل عليه إجماع علماء الأمة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.       
 المصادر والمراجع
1.   القرآن الكريم.
2.   ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، 1414.
3.   الشاطبي، الموافقات، تحقيق أبي عبيدة آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1997.
4.   الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت 1983.
5.   الغزالي، الميتصفى، دار الكتب العلمية 1993.
6.   الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
7.   الفخر الرازي، التفسير الكبير،دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1420.
8.   الفخر الرازي، المحصول في أصول الفقه، تحقيق طه جابر العلواني ، مؤسسة الرسالة.
9.   الشوكاني،  نيل الأوطار، دار الحديث،1993، ط1.
10.         النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، دار المعرفة ،1998، ج5، ص:475.
11.         ابن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس.
*: من كبار المنادين بهذا المبدأ نذكر محمد أركون، وللتوسع في موضوع "تاريخية النص" يمكن العودة لـ :"نقد النص" عند علي حرب، أما موضوع تاريخية النص القرآني يرجى العودة لأركون: "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني"، "تاريخية الفكر العربي الإسلامي".





[1] - النساء، 11.
[2] : ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، 1414،(ج.ه.د)
[3]: الشاطبي، الموافقات، تحقيق أبي عبيدة آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1997 ،ج5، ص: 51
[4] : الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت 1983 ص:241
[5] - الغزالي، الميتصفى، دار الكتب العلمية 1993، ص: 486
[6] -الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج4، 171.
[7] - الفخر الرازي، التفسير الكبير،دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1420،  ج9، ص:509
[8]: الفخر الرازي، المحصول في أصول الفقه، تحقيق طه جابر العلواني ، مؤسسة الرسالة ج3، ص: 124-125 .
[9]-  الشوكاني،  نيل الأوطار، دار الحديث،1993، ط1،ج6، ص:65.
[10] - النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، دار المعرفة ،1998، ج5، ص:475.
[11] -الحديد، 3.
[12] -النحل، 1,
[13] - ابن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس، ج15، ص:96
[14] - الأنعام، 80.
[15] -النحل، 96.