الاثنين، 5 أكتوبر 2015

المنجز اللغوي لتلميذ المدرسة المغربية


  اليوم، والحمد لله، صدر كتاب المنجز اللغوي لتلميذ المدرسة المغربية، كتاب يعرض الحصيلة اللغوية لمتعلمي اللغة العربية بجهة مراكش مع تحليل دقيق للتعثرات؛ من حيث: طبيعتها، وروافدها، وأنواعها، وأسبابها. الكتاب صدر عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش 2015.  






الاثنين، 1 يونيو 2015

"نظرية الأدب" عند "رونيه ويليك" و"أوستن وارن".

"نظرية الأدب" عند "رونيه ويليك" و"أوستن وارن"*

السعيد رشدي

تتأسس نظرية الأدب عند "رونيه ويليك" على التفريق بين الأدب والدراسات النقدية؛ فالأدب إبداع فني في مقابل النقد الذي يعتبر دراسة للأعمال الأدبية وضربا من المعرفة، ورغم أن البعض جعل حدود المجالين مستباحة وقابلة للاختراق في الاتجاهين معا، فإن هناك حدودا عقلية بينهما؛ لأن الناقد ملزم بتحويل معرفته الأدبية إلى مفاهيم مندرجة في سياقات قابلة لأن تصير معرفة، في حين نجد أن هذا الأمر ليس ضروريا في العملية الإبداعية الأدبية؛ باعتبار هذه الأخيرة خلقا فنيا، غير أن السؤال المطروح هو: هل من الممكن دراسة الأثر الأدبي باعتبار هذا الأخير عملا فنيا إمتاعيا ؟ وهل هو قابل للدراسة أصلا ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو المنهج القادر على معالجة هذا الفن؟
يرى "ويليك" أن مناهج الدراسات الأدبية وإن اختلفت عن مناهج الدراسات العلمية الطبيعية في الموضوع والوسائل والغايات فإنها تظل متشبتة بروح العقل وسباقة إلى إنتاج المعرفة العقلية بقرون حتى قبل حدوث التطور العلمي الحديث، وما على الدراسات الأدبية إلا إحيائها وتجديدها، غير أن الشروع في الدراسة الأدبية يصطدم منذ البداية بكونها تتخذ التفرد في الأثر الأدبي موضوعا للعلم، وبالتالي فكل دراسة تتغيا الكشف عن  مميزات وخصائص العمل الأدبي لا بد أن تنصرف إلى إبراز مميزات التفرد، وهو ما يُصعب عمل دارسي الأدب، ويقوض فرص نجاحهم.
ولتجاوز إشكالية التفرد ضمن المشترك، رأى أن الأثر الأدبي شبيه بالإنسان في اشتراكه مع بني جنسه في مجموعة من الصفات وبتفرده في مجموعة أخرى؛ فالأدب يشترك مع باقي الفنون في صفات عامة، ويتفرد بخصوصيات، وتشخيص هذا التفرد وهذه الخصوصيات هو الغاية من كل دراسة أدبية، وآلة البحث فيها هي ما سماه  بـ"نظرية الأدب".
حاول "ويليك" في نظريته هذه تحديد موضوع الأدب أولا؛ فوقف على الدراسات التاريخية التي حددته في النصوص، وانتقل إلى التي رأته في النصوص الثاوية في متون أمهات الكتب الفلسفية والدينية وغيرها، بعد ذلك انتقل إلى التي ربطت موضوعه بالخيال والتخييل، ثم إلى التي ركزت على لغته وأهميتها في عزل اللغة الأدبية عن العلمية واليومية بما يتوفر في الأولى من أشكال التعبير، ونبه إلى ما اعتور هذه الدراسات من صعوبات في تمييز الأدب عما ليس أدبا، وأرجع عوَرها إلى تجزيئها للظاهرة الأدبية، هذه الأخيرة  تشكل كلا مركبا متعدد المستويات والارتباطات، يتطلب دراستها أخذها كلا متكاملا.
 ولما كانت طبيعة الأدب ووظائفه مقترنة؛ بحيث لا يمكن التفريق بينها، فمن البديهي أن يساعد ذلك على تحديد ماهيته، هذه الوظائف توزعت بين المراحل التاريخية، والأماكن الجغرافية، والبيئات اللغوية بالقدر الذي توزع به تعريف الأدب، غير أن "ويليك" يميل إلى تحديد تلك الوظائف في وفاء الأدب لطبيعته.
نستطيع القول الآن إنه لما أمكن حصر موضوع الدراسة الأدبية وتحديده  صار من الجائز الانتقال إلى دراسته دراسة منطقية انطلاقا مما سماه "نظرية الأدب"، غير أن هذه الأخيرة يتعالق مفهومها مع "نظرية النقد" و"تاريخ الأدب"، فكان لا بد من توضيح الحدود بينها؛ فالنظرية النقدية تنظر إلى الأعمال الأدبية في تسلسل زمني تنفصل مراحلها وأحداثها، أما "نظرية الأدب" فهي  تدرس الأدب من حيث أسسه وقواعده وموازناته وأقسامه مركبا وفي تسلسل زمني، غير أن "ويليك" أدرك تداخل الحقول الثلاثة تنظيرا وتطبيقا، وأدرك عدم قدرة أي فرع على الاستغناء عن الفرعين الآخرين، فأحكام الناقد مثلا تظل مضللة ما لم تستند إلى "تاريخ الأدب" الذي يوضح العلاقات التاريخية بين الأصيل من النصوص والمشتقة.
لقد أبرز "ويليك" الفروق بين "النظرية" و"التاريخ" و"النقد" في الأدب وأدرك تعالقها، وحاجة بعضها للبعض الآخر مما جعله يدعو إلى التعاون فيما بينها، ولما كانت النظرية تتعلق بدراسة الأثر الأدبي فإن "ويليك" لم يهمل جانبها الإجرائي وأفرد موضوعات كثيرة لها مُرتبة ترتيبا متسلسلا يبتدئ بترتيب الأدلة والتحقق منها؛ فدراسة الأدب لا يمكن أن تتم قبل جمع المادة والتحقق من صحتها منطوقة كانت أو مكتوبة، ثم بناء شجرة نسبها في سلاسل متتابعة لتحديد الأصل والمشتق منها وإثباتها لأصحابها، كما بين المداخل الخارجية لدراسته وحددها في موطنه وبيئته وظروفه التاريخية والاجتماعية والنفسية والفكرية والفنية والفلسفية كيفما كان العمل قديما أو حديثا، غير أن ما يميز هذه المداخل الخارجية كونها ذات طابع تعليلي وسببي مما يجعل روادها يقعون في الحتمية التاريخية.  وما ميز "ويليك" كذلك اهتمامه بدراسة الأدب من الداخل، فتلك الأعمال في نظره هي التي تبرر اهتمام الناقد بالكاتب وبيئته والعملية الإبداعية، وانتقد كثيرا الانشغال بالمداخل الخارجية الذي صاحب نشوء الحركة الرومانسية بأوربا، والتي تحولت إلى الاهتمام بالجوانب الخارجية والتاريخية تبريرا للقيم الجديدة المنسوبة للأدب القديم، ومحاكاة لأساليب العلوم الطبيعية، غير أن ذلك ما لبث أن انقضى تاركا المجال أمام ظهور نظريات جديدة تدعو لدراسة العمل الفني من الداخل كمنهج تفسير النص بفرنسا، والتحليلات الشكلية بألمانيا وحركة الشكلانيين الروس والتشيك والبولونيين، وقد اعترض الشكلانيون على الفصل بين الشكل والمضمون، غير أن هذا التصور أصيب بنوع من الغموض لما كان صعبا للغاية؛ لأن اللغة في حد ذاتها جزء من الشكل، وينبغي أن نميز فيها بين الكلمات ذوات التأثير الجمالي والكلمات التي بلا تأثير جمالي،  وهو ما يضرب في العمق كينونة العمل الفني؛ من حيث إمكانية وجوده خارج النص المطبوع، أو اختلاف النبر والإيقاع أثناء تلقيها شفويا في فترات مختلفة ولو كان ذلك من نفس الشاعر.
ويرى أن الرخامة والإيقاع والوزن هي مكونات المستوى الصوتي المؤسس للتأثير الجمالي، ويمكن دراسة العمل الأدبي انطلاقا منها، ولا يتم ذلك إلا بالتفريق بين الأداء والنسق الصوتي؛ فالقراءة أداء وتحقيق للنسق الصوتي قد يُضيف وقد يُنقص، وبالتالي فدراسة الإيقاع والوزن بناء على الإنشادات الفردية،  وتحليل الصوت بمعزل عن المعنى فرضيتان خاطئتان.
كما يمكن دراسة الأدب من الأسلوب وبعلم الأسلوب؛ فكل عمل أدبي هو اختيار وانزياح تاريخي لمستويات اللغة، ودراسة اللغة وتطوراتها تفيد في فهمها، ولما كان الأدب متصلا بها فهو اختيار من نظامها الصوتي، هذا الأخير لا يمكن عزله عن المعنى. وعلم الأساليب يفيد في مقارنة النظام اللغوي للعمل الأدبي  واستخدام اللغة الدارجي، ودراسة هذا يوضح مدى أدبية النصوص.
ويمكن دراسته أيضا من خلال الصورة والمجاز والرمز والأسطورة؛ فالوزن والمجاز هما المبدآن المنظمان للعملية الإبداعية، وبالتالي فدراسة النصوص تنطلق من دراستهما، ومن الملاحظ أن هذه الكلمات الأربع متداخلة دلاليا، ومهمة للعملية الشعرية؛ من حيث قدرتها على ربط الشعرية بالجمالية وفصلها عن الفلسفة والعلم؛ فالشعر نسق  مُميَّز عن العلم والفلسفة بنسقه اللغوي وصوره الفنية التي تعتمد الاسترجاع الذهني، وتعبر عن الأحاسيس والإدراك ونفس الشيء يحصل في الرمز والأسطورة لما في هذه العناصر من القدرة على الخلق الفني، وينتقد "ويليك" اعتبار العناصر الأربع محسنات بلاغية قابلة للفصل عن المضمون كما هو معمول به في الدراسات القديمة، وعلى النقيض من ذلك فإن هذه العناصر تشكل معنى الأدب وتحدد وظيفته.
لقد أتينا على الجوانب المتعلقة بدراسة الأدب من مداخل خارجية وداخلية، ورأينا أن "ويليك" هاجم اعتماد المداخل الخارجية في النظرية الأدبية داعيا إلى دراسة النصوص من الداخل، غير أننا نجده يميز بين دراسة النصوص الشعرية ودراسة النصوص النثرية كالقصة، ويَعتبر الأولى أعلى شأنا من الثانية" القصة"، هذه الأخيرة تعتبر وريثة الملحمة وأعلى مراتب القول الأدبي النثري؛ لما تحققه من التسلية والمتعة على الرغم مما أثير حولها من الاتهام بالمخادعة والوهم نتيجة ترسبات المراحل التاريخية السابقة، ويرى "ويليك" أن الفن الروائي يرتبط بالحياة أشد ارتباط فهو يقدم النماذج الاجتماعية كقيمة جمالية فنية وكقيمة اجتماعية تعكس واقع الحياة، وتجعله مشهدا للتأمل داخل مجتمع ما، ومن نماذج ذلك نذكر "البخيل" في مسرحية "موليير" و"بلزاك".
إن القصة عمل فني يجب النظر إليه ككل مرتبط، يقدم صورة الحياة، ودراستها تستدعي تمييز الحبكة والأشخاص والأحداث، غير أنها تختلف عن العمل المسرحي في الخلفية المكانية التي تعتمد الوصف المعبر عن الإرادة الإنسانية والذي يسمح بالنفاذ إلى عمق الشخصيات؛ كوصف أثاث منزل البخيل "Grandet" لـ"بلزاك"، فإذا كان الوصف طبيعيا مثل الإرادة الإنسانية فإنه يشكل عاملا ضخما ومتحكما في الأحداث الروائية، هذا يقابله اعتماد عنصر الحكاية في العمل المسرحي، غير أن هذا التمييز ارتبط في واقع الحال باختلاف العصور الثقافية؛ فالاهتمام بالخلفية المكانية يختلف من عصر إلى آخر؛ فتجده بارزا في عصر الرومانتيكية والواقعية، ولا يرتبط بكل العصور، وقد تُقدم الخلفية المكانية في المسرح أكثر في بعض المسرحيات الدرامية، وأشار "ويليك" إلى أشكال أخرى من الرواية كالقصة القصيرة وطبيعة الأحداث وتركيبها وطريقة روايتها؛ من حيث طبيعة حضور الضمائر. ومن أفانين القول الروائي التي يمكن دراسة الرواية انطلاقا منها : الخبرة المعيشة، الأسلوب المباشر وغير المباشر Style indirect et direct ، المونولوغ الداخلي الذي يقدم الشخصيات للقارئ بدون شرح، وهو أقرب المنافذ إلى شخصيات الحدث الروائي وعالمها اللاشعوري.
لم يغفل "ويليك" في نظريته للأدب الحديث عن الأجناس الأدبية، فالكاتب ملزم بالنظر فيها وتحديد حدود كل جنس، ونظرية الأنواع أو الأجناس الأدبية هي مبدأ تنظيمي وتصنيفي للأدب وتاريخه لا على أساس الزمان والمكان ولكن على أساس الأنماط من حيث البناء والتنظيم، فتصنيف العمل الأدبي يقتضي الرجوع إلى الخبرة والفهم وصفا وتقعيدا، غير أن الناقد يصطدم ببعض العراقيل في هذا المضمار كعدم وضوح الحدود الأدبية بين جنسين أدبيين؛ فقصيدة Spenser " الملكة الجنية"  Fairy Queene أثارت جدلا بين من صنفها ملحمة ومن رفض ذلك كـ ميلتون؛ لأنها كُتبت في عصر لم تفترق فيه الملحمة عن الرومانس بعد، ولا يكتفي العمل النقدي في التصنيف باعتماد ما سبق من التصنيفات بل يمكن إضافة تصنيفات جديدة، ويقوم مفهوم الجنس عند "ويليك" على مبادئ منها الشكل من حيث المقاطع مثلا في الشعر الهوديبراستي، أو الجمال، غير أنه يجب الحذر من الخلط بين النظرية الكلاسيكية ذات الطبيعة التنظيمية والإرشادية والاجتماعية التي تفرق بين جنس وآخر بحسب موضوعات الفقراء، أو الملوك مثلا، أو الأدب الهزلي والساخر للعامة إلى غير ذلك، والنظرية الحديثة التي تعتمد القيمة وطبيعة العمل والوصفية والذوق، كل ذلك من أجل مبدأ نقاء الجنس الأدبي.
ويرى أن إخضاع  قضية الأجناس الأدبية للتطور كما فعل "برونتيير" أضر بها لما تؤشر عليه من التناظر بين الجمهور والكتاب، ومسألة تطور الأجناس الأدبية هي من موضوعات تاريخ الأدب، وتاريخ الأدب في حاجة إلى فلسفة للتاريخ، وإلا لكان موضوعه سردا للأحداث فقط، إن موضوع الأجناس الأدبية يشير إلى مسائل رئيسية في تاريخ الأدب والنقد الأدبي، إنه يضع في إطار أدبي محدد الأسئلة الفلسفية التي تتناول العلاقة بين النوع والوحدات التي تكونه.
ولم يغفل في نظريته مسألة التقويم والحكم على النصوص وتقديرها، ويرى أن التقويم يرتبط بوظيفة الأدب في المجتمع وماهيته، ولم يحصل الاتفاق حول تلك المعايير الموزعة بين الجمالية والتفرد والمحاكاة والشكلية والمفاجأة، والتمييز الذي يقدمه هو ذلك الذي يكون بين الحكم الصريح والحكم الضمني، والذي يختلف عن التمييز بين الحكم الواعي والعفوي، وهناك الحكم الوجداني والحكم المبني على الحجة والمنطق، وليس هناك تناقض  بالضرورة بينهما.
كما تحدث عن تاريخ الأدب وأفرد له فصلا خاصا ليستكمل الثالوث المؤسس للدراسة الأدبية، وتساءل عن إمكانية كتابة مادة أدبية وتاريخية في آن واحد، ورأى أن تاريخ الأدب يتداخل في التاريخ الاجتماعي وتاريخ الفكر والأحكام الانطباعية المرتبة زمنيا، وتختلف صورة الأدب وصورة معالجته حسب كل زاوية من هذه الزوايا، غير أن ما أنتج من أفكار حول "تاريخ الأدب" في هذا المضمار لا يعدو أن يكون مقالات غير مطردة عن الكُتاب تحاول الربط بينهم، ولا تفهم حقيقة التطور التاريخي للأدب، فمعظم ما كتب في "تاريخ الأدب" هو تواريخ للحضارة، أو مقالات تميل أكثر للعرض والنقد أكثر من التاريخ؛ ومن بينها" التاريخ المختصر للأدب الإنجليزي الجديث" لإدموند جوس، ورأى أن ما يعرقل عمل مؤرخ الأدب هو ضعف التنظيم والاتساق، وافتقار النظرية الأدبية إلى المناهج القادرة على وصف العمل الفني، وارتباط عمل المؤرخ بالتعليل، وهو ما يحتم على التاريخ الأدبي النظر إلى الأدب من الداخل لا من الخارج.
إن تاريخ الأدب يجب أن يكون كَفن قائم على العلاقات الأدبية بين الكتاب والنصوص وفي معزل عن التاريخ الاجتماعي وسِيَر الكتاب الخاصة، وحل هذه القضية يرتبط بالوعي بكون تاريخ تطور الأدب قائما على تحليل تلك العلاقات وتحديد الشبه والتناظر الحاصل بينها، وهذا الأمر يحتاج إلى معرفة ضليعة بالأدب، إن موضوع تاريخ الأدب يطرح الكثير من القضايا خاصة قضية الأجناس وما يتعلق بالتقسيم السياسي والاجتماعي للعصور الأدبية، مما يجعل الأدب خاضعا للمؤرخين والسياسيين، من هنا كان لازما النظر إلى الأدب بما هو أدب، وكتابته يتطلب الرجوع إلى مخطط متغير القيم، وهذا المخطط يُستقى من التاريخ نفسه، إن تاريخ الأدب مملوء بالإشكاليات غير أن له مستقبلا كما كان له ماض، وتطوير مناهج الدراسات الأدبية كفيل بإزالة العديد من العوائق التي تعيق دراسة الأدب.
هذا موجز من "نظرية الأدب" عند رونيه ويليك وأوستن وارن، حاولت فيه الإتيان على أهم مكوناتها مسندا العمل لويليك فقط اختصارا ، لأن العمل يعنيهما معا، كما يعني كل متوجه لدراسة الآداب.


 




رونيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، عدد فبراير 1987، الكويت. *

السبت، 25 أبريل 2015

عنت الكتابة

تجدون موضوع "عنت الكتابة" منشورا على موقع المجلة العربية الثقافية : " عود الند"، العدد 107.
أتمنى لكم قراءة ممتعة بصحبته وبصحبة باقي مواضيع العدد .



الأحد، 15 فبراير 2015

الترجمة والتأويل ولسانيات النص.

السعيد رشدي 
حققت الترجمة تطورا كبيرا بفضل ملازمتها الطويلة لتحولات الدراسات اللغوية وظهور لسانيات النص، هذه الملازمة أدت إلى تبادل فوائد كثيرة،  فراكمت عُدّة معرفية مهمة؛ موضوعا، ومنهجا، واصطلاحا، كما اكتسبت نقلة علمية قوية مكنتها من نقل الأفكار مجردة من لغتها الأم إلى أخرى بأقصى شروط الدقة والمطابقة والأمانة والوفاء. إن الترجمة علم موضوعه اللغة والنص، إنها قراءة وفهم وتأويل، فهي بذلك علم ينظر في كل الآليات التي تمكن المترجم من الترجمة بشروط منهجية خاصة؛ من هذه الشروط ما يقوم على المنهج في القراءة والفهم والتأويل، ومنها ما يقوم على شخص المترجم، ومنها ما يقوم على طبيعة النص. ولا يتم فعل الترجمة إلا بعد إدراك المترجم لمقصد الكاتب وإعطائه تأويلا، وإذا كان التأويل شكلا من أشكال الفهم، فإنه عملية ذهنية محورها المترجم بما له من قدرات علمية وإدراكية ولغوية وإبداعية. فما هو التأويل في الترجمة؟ وكيف يصير المترجم مؤولا؟ وما هي الضوابط النصية التي تحكم هذه العملية؟
                                    I.            مفهوم التأويل
يتأسس التأويل على الفهم، وهو عملية يقوم بها المؤول للكشف عن الدلالة الأصلية المتوارية خلف المكتوب المراد معالجته[1]، هذه العملية لا تتم إلا بـ " إعادة بناء المعنى وما يرتبط بذلك من إجراءات فك رموز الخطاب التي يلجأ إليها المخاطب"[2]، إن عملية التأويل عملية معقدة، تتدخل فيها عوامل عدة؛ موضوعية، وذاتية، وزمنية تاريخية، وإذا كان التأويل يتأسس على الفهم كما سبق أن قلنا، فإن الفهم يتأسس على دلالة النص في إطار كلي بعد أن يدخل في علاقات مع دلالات أجزائه، وعلى ضوء معناه الكلي تتخذ تلك الأجزاء وظائفها التوضيحية.
 بالإضافة إلى هذا البعد، تحيط بالتأويل أبعاد أخرى منها ذاتية المؤول؛  فتأويل النص المترجَم وإن تم إدراك معناه الكلي ومعانيه الجزئية الموضحة له، فإنه يحيل على اتصال بين ذاتين؛ ذات مؤلفة وذات مترجمة، ومسألة الذاتية هذه معروفة في العلوم الإنسانية والأدب، هذه العلاقة بين الذوات والنصوص منفتحة على الاختلاف، من هنا يصير التأويل الوسيلة الأولى لرأب الفرق وإحلال الاتفاق بينها وبين النصين المختلفين اللذين يلفان المعنى والقصد الواحد، إن تقليص الفوارق بين المقاصد الناتجة عن تعدد الذوات هو الهدف من التأويل، فيكون هذا الأخير بذلك الحلقة الأكثر أهمية في تشكيل المعنى المقصود والذي يسعى لتحقيقه المؤلف الأصلي، والذي يسعى المترجم لتحويله عبر الترجمة إلى نص مكافئ. بعد عاملي الكل في علاقته بأجزائه والذاتية في علاقتها بالموضوعية، ستقف عند العامل الزمني التاريخي.
 كل عملية تأويل تنطلق من تفكير المؤوِّل المترجِم للأفكار المتصورة مسبقا من طرف منشئ النص الأصلي، ومشروعية عمل المترجم تقوم على البحث عن هذا القصد وقيمته وأصله، وعلى هذه العملية يتأصل الفهم والتأويل السليمان والقادران على إنشاء النص المعادل معنى ومقصدا وجمالية، إن استعمالات اللغة وآليات كتابة النص والظروف المحيطة بالمؤلف زمن التأليف هي غيرها التي تحيط بزمن الفهم والتأويل والترجمة، من هنا فإن الوعي بالنصوص المختلفة من حيث زمن النشأة وزمن الترجمة يتطلب وعيا تاريخيا بالنص الأصل، كما تتطلب هذه المفارقة الزمنية استحضار الافتراضات الراهنة لزمن الترجمة.
يظهر إذن أن التأويل يتأسس على الفهم المؤطَّر بهذه العوامل الثلاثة؛ أي دلالة الكل في علاقته بدلالة الأجزاء على ضوء التفاعلات والعلاقات الحاصلة بين المكونين، ثم التأويل في علاقته باختلاف الذوات ودوره في رأب الفوارق والاختلاف وتأسيس المعنى، ثم تأصيل فهم النص على ضوء ظروف تكونه التاريخية، والمراحل التي مر منها، وتهييئ الافتراضات التي من شأنها النظر إليه بما نعرفه منه لحظة قراءته وترجمته لا بما نعرفه منه لحظة كتابته.
                                 II.            المترجم مؤولا
 كل مترجم هو مؤول بامتياز، فاتخاذ القرار واختيار الفهم والمعنى المقصودين من طرف مؤلف النص الأصل يعتبر أهم ما يكشف عن إبداعيته وفنيته، والمترجم لا يتم له ذلك إلا في ظل تحقق مجموعة من الشروط؛ من بينها الإلمام باللغتين والثقافتين المترجم منها والمترجم إليها، وهذا يتطلب ثقافة واسعة، ووحده ذلك يجعله قادرا على ممارسة فن التأويل، هذا الأخير هو الكفيل بنقل الأفكار من لغة إلى أخرى بعيدا عن الترجمة الحرفية أو تخمين المقاصد والتكهن بها، ومن الضروري للمترجم حال الترجمة أن يتقيد بمدلول العبارت المكتوبة وتجنب التفسير؛ إذ هذا الأخير هو مقدمة فقط لممارسة التأويل، إن ممارسة التأويل اختيار وقرار لا بد منه للمترجم إذا أراد أن يجعل من عمله إبداعا ومن نفسه فنانا حذقا ذا مهارات لا تقل أهمية عن باقي الفنانين.
إن كون المترجم مؤولا هو إحالة أيضا لعمله على التقاليد العلمية المتأصلة في التعامل مع النصوص المختلفة لغة أو الغامضة معنى، هذه الإحالة تجعل عمله منضبطا وخاضعا للقوانين والقواعد المنهجية الصارمة والضاربة في التاريخ، هذه القواعد ليست وليدة اليوم بل امتدت تاريخيا إلى بدايات التعامل مع النصوص الدينية في المسيحية؛ لما ترجم "الإنجيل" إلى اللغات الأوربية، وما نتج عن ذلك  من تطوير المناهج وظهور الهيرمنوطيقا.
ولم يرتبط التأويل في الترجمة بالبيئة الأوربية فقط بل كان حاضرا وبقوة أيضا في البيئة الإسلامية؛ سواء في فضاء الترجمة العربية التي حدثت في بيت الحكمة على عهد المأمون، أو في فضاء النص القرآني بما حمله "القرآن الكريم" من نصوص متشابهة. وعلى كل حال، فإن المترجم لا تأتيه الترجمة طوعا ولا كرها ما لم يتملك ناصية القراءة الثاقبة والفهم السليم والقدرة على ممارسة التأويل واتخاذ القرار.
                             III.            الترجمة والتأويل و النصية  
كان القدماء ينظرون إلى الترجمة عموما على أساس أنها عملية مطابقة بين الكلمات أو العبارات الأجنبية بما يعادلها في لغة أخرى، غير أن هذا الوضع تغير مع تقدم الدراسات اللغوية خاصة المقارنة التي أتت على الاختلافات البنيوية بين اللغات، فأدركوا أن هذه الاختلافات تحد من عمليات نقل المعنى. أما من حيث النصوص، فقد أدرك اللغويون القدماء خاصة العرب صعوبة نقل النصوص الأدبية، يقول الجاحظ:" والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه وسقط موضع التعجب... والكلام المنثور المبتدأ على ذلك أحسن وأوقع من المنثور الذي تحول من موزون الشعر... وقد نقلت كتب الهند، وترجمت حكم اليونان، وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا، وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حولت حكمة العرب، لبطل ذلك المُعجز الذي هو الوزن، مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم"[3]، فيظهر من هذا النص الوعي الكبير الحاصل بتأثير طبيعة النص في الترجمة والتأويل.
  ولقد أدى تطور الدراسات اللسانية وانتقالها من الجملة إلى النص إلى تغير في المناهج، فالتعامل مع النص كبنية دالة وذات معنى واحد كلي يسمح بالنظر إليه لا بما يتحقق من مجموع جمله من المعاني ولكن بالنظر إلى ما يحققه معناه الكلي الذي يتعدى معاني مجموع جمله، هذه القفزة لم تكن لتتحقق لو لم تظهر الدراسات النصية على يد دوبوغراند وفان ديك وغيرهما، وأهميتها العلمية ،بالنسبة للمترجم، تكمن في جعله يدرك أهمية السيطرة على النص شكلا ومضمونا وتطويعه بما يجعله قادرا على إعادة إنتاج نص معادل في النصية؛ اتساقا وانسجاما. فيظهر من هذا أن هناك علاقة بين نصية نص المؤلف ونصية النص المترجم، علاقة تقوم على عدم قدرة أي منهما على الاستغناء عن الآخر؛ فالمترجم لا يستطيع نقل المعنى من لغة إلى أخرى وبنفس الشروط السابقة إلا إذا مر عبر القواعد والآليات التي تتحقق بها نصية النصوص تأليفا على المستوى العميق والسطحي، خاصة ما ارتبط بالمعنى والسياق وظروف نشأة الخطاب والأثر في المتلقي، وبالتالي فالمترجم، وهو يقوم بالترجمة، يسلك في عمله نفس مسار التأليف، ولا يستقيم أي تأويل ما لم تراعى تلك الأبعاد.
 هذا الاستعمال لمفاهيم اللسانيات واللسانيات النصية من حيث المنهج هو ضرورة أساسية في المناهج الحديثة للترجمة، دفعها إلى ذلك حاجتها إلى منهج علمي يؤدي إلى تأصيل المعنى، والتحكم في النص وإخضاعه والخروج من سلطته.
إن المترجم، وهو يقوم بعمله، لا يسعه إلا البحث عما يمكنه من النص، وضالته في ذلك تكمن في ما توفره لسانيات النص من آليتي الحبك والسبك تأليفا؛ فالحبك ينصرف إلى ما يحقق نصية النص على المستوى العميق، والسبك ينصرف إلى ما يحقق نصية النص على المستوى السطحي، اكتشاف هاتين الآليتين منح للمترجم مساحة مهمة للتأويل وإمكانياته باعتبار الوساطة التي يؤديها بين كاتب النص الأم وقارئ النص المترجم، فكل علاقة تواصلية بين هذين الطرفين لا تتم إلا عبره بما يوفره المترجم من فهم وتأويل للنص الأول.
 تساعد لسانيات النص على التأويل، فهي علم مؤهل منهجا وموضوعا واصطلاحا لوصف الآليات التي تتشكل بها نصية النصوص شكلا ومضمونا، ومن تلك الآليات تلقيا؛ مفهوما الاتساق والانسجام:
ü          مفهوم الاتساق: يتأسس على الآليات التي تحقق النصية في النص الأصلي على المستوى الخارجي، ويتم ذلك بالعناصر النحوية؛ كالضمائر والإحالات والتكرار والعطف.
ü          مفهوم الانسجام: يتأسس على الترابط المعنوي والدلالي الداخلي.
 فالنظر في هذين المستويين يمكنان المترجم من فهم المعنى وتأويله بما يفيده في البحث عن المعادِلات المناسبة والممكنة التي تقدمها اللغة الهدف، فيتم نقل تلك المعادلات؛ بشكل يضمن أكبر قدر من المطابقة الشكلية التركيبية والدلالية وهو ما يضمن نفس الأثر على المتلقي، وهذا يقتضي إدخال البعدين النفسي والاجتماعي في النقل، ومن المستحيل الوصول بالترجمة إلى هذا المستوى بغير الإبداعية في التأويل، فالتأويل يتحدد لدى المترجم بمدى قدرته على الوصول إلى آليات الاتساق والانسجام وسياق الموقف وإعادة بناء النص وفق  نفس الآليات.
 إن العملية التأويلية في الترجمة تؤطرها نصية النصوص الأصلية أو الناشئة بالترجمة، وكل انحراف عن هذه الضوابط سيوازيه انحراف آخر في الترجمة بما لا يخدم المطابقة والوفاء والتكافؤ الشكلي والمعنوي المفترض. 
المصادر والمراجع:  
1: هانز غادامير، فاسفة التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، ط 2 نشر 2006،  الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، الجزائر.
2: ربيعة العربي، في تصور الخطاب، آليات الإنتاج والتأويل، مؤتمر لسانيات النص وتحليل الخطاب، جامعة ابن زهر أكادير، ط1، 2013دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الأردن.
3: الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، م 1، ط 3، 1965، مصر.






[1]: هانس غادامير، فاسفة التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، ط 2 نشر 2006،  الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، الجزائر، ص 34.
[2]  : ربيعة العربي، في تصور الخطاب، آليات الإنتاج والتأويل، مؤتمر لسانيات النص وتحليل الخطاب، جامعة ابن زهر أكادير، ط1، 2013دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الأردن، 104.
[3]: الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، م 1، ط 3، 1965، مصر، ص: 74-75.