الخميس، 25 ديسمبر 2014

تحليل معلقة عمرو بن كلثوم على ضوء التفكيكية

السعيد رشدي
لعل معلقة عمرو بن كلثوم تمثل نموذجا حيا لقضايا الإنسان العربي في علاقته بالإبداع الشعري الجاهلي، إذ يبرز فيها تعالق مواضيع كثيرة؛ كالقيم والذات الفردية والجماعية وجدلية الثبات والتحول في علاقتها بالتجربة الإنسانية والزمن؛ بما يشكل نظرة كونية تترجم رؤية الإنسان العربي للعالم بقيمه المتعددة ومواقفه ومعتقداته وتشكيلات ذلك المختلفة، فكيف استطاعت هذه القصيدة منسجمة العبارة وواضحة المعنى ورشيقة الأسلوب أن تقدم هذه الرؤيا للعالم ؟ وكيف استطاعت أن تكون أفخر قصيدة نطقت بها العرب بروح جمعية ذابت فيها الذات الشاعرة ذوبانا مطلقا؟
لتناول هذه المعلقة بالتحليل لا بد من الوقوف على ظروفها والأشواط التي قطعها بناؤها الدلالي والفني.
ü    ظروف النص:
تعبر هذه المعلقة  عن الحرب بين قبيلتي بكر وتغلب التي دامت أربعين سنة، ولم تتعاقد القبيلتان على الصلح إلا بعد أن ألّف بينهما المنذر، وكان أن كلف، فيما بعد، ابنه عمرو بن هند جماعة من بكر وتغلب في بعض أموره، فافتُقد التغلبيون واتهم البكريون بالإيقاع بهم، ولما احتكموا إلى عمرو بن هند اقتضى سبعين رجلاً من البكريين كوثاق عنده[1]، فقبل البكريون، وفي يوم التقاضي، انتدبت تغلب للدفاع عنها سيّدها عمرو بن كلثوم، بينما انتدبت بكر أحد أشرافها النعمان بن هرم الذي طرده عمرو بن هند من حضرته، فقام عمرو بن كلثوم وأنشد قسماً من معلقته، ثم وقف الحارث بن حلّزة فرد عليه، واستمال الملك بدهائه، فحكم للبكريين. إلا أن تغلب كانت منيعة الجانب، حيث تواقع  الشاعر مع عمرو بن هند فقتله، فنظم هذه القصيدة على مرحلتين:  الأولى أثناء الاحتكام أمام الملك عمرو بن هند بين تغلب وبكر، والثانية  بعد الحادثة التي أودت بحياة الملك.
ü    معمارية النص:
-       على مستوى المعجم:
يعتبر المعجم المحرك الأساسي الضامن لاشتغال اللغة في النص الشعري، وذهب بعض المنظرين إلى أنه لا يمكن فصله عن التركيب[2] لأنه تقوم عليه  الجملة نحويا وبلاغيا، كما أن النظر إلى المعجم خارج السياق التركيبي بشقيه النحوي والبلاغي غير مناسب لتحصيل الدلالة لما في ذلك من العودة للمعنى الأساس للكلمة مفردة ومجردة من السياق، من هنا لا يستقيم تناول المعجم إلا في سياقه. وهذا سندنا في الوقوف على دلالة القصيدة والأفكار الواردة فيها انطلاقا من تقسيمها دلاليا إلى أشواط سنقف عليها بالتفصيل بعد تحديد الحقول المعجمية المهيمنة في النص: 
·        الحقل المعجمي الفخري:  من خلال بروز وتكرار مجموعة من الألفاظ وأهمها الضمائر خاصة "نحن" و"نا" الدالة على الجمع " إنا تورد ..."، بالإضافة إلى ألفاظ الفخر الكثيرة والدالة على مقصدية النص.
" نورد الرايات بيضا *** ونصدرهم حمرا قد روينا.إلخ
·        الحقل المعجمي الحربي: وهو كثير الورود خاصة في الوحدة الدلالية الرابعة والسادسة ومنه:" نطاعن، نضرب، السمر،سيوفنا، قناتنا...
·        الحقل المعجمي الاجتماعي والقيمي: منه الخمري والغزلي والقيمي، ويظهر في: (  الخمور، الكأس، المرأة، ذي اللبانة، اللحز الشحيح، مجرى الكأس اليمين، تركنا المنايا مقدرة، قفي قبل التفرق يا ظعينا، الصرم، شمطاء، بغاة ظالمينا وما ظلمنا،...)،
 وسنقف على المعجم التركيبي في بعض صوره في البناء الفني.
إن الوقوف على كيفية اشتغال الحقول المعجمية اللفظية والتركيبية دلاليا،  جعلنا نقف على مجموعة من الأفكار والتي ارتأينا تناولها في سياق أشواط النص الذي ارتآها الشاعر في بناء المعلقة، هكذا تم تقسيم النص إلى أشواط تبعا لانتقال الدلالة وحُددت كما يلي:
ü    أشواط النص:
·        الشوط الأول، يمتد من البيت: 1 إلى :10.
شرحه:
الأندرينا: من قرى الشام، مشعشعة: حال من أحوال الخمر، اللبانة: الحاجة، اللحز: الضيق الصدر، صبنت: صرفت، ما شر الثلاثة : لست شر أصحابي، الظعينة: المرأة.
 استهل الشاعر قصيدته بسياقين أساسيين؛ سياق المرأة (ألا هبي)، وسياق الخمر (خمور الأندرينا) واصفا إياها، ومتحدثا عما تتركه من آثار على شاربيها (ب 3،4،...) ومفتخرا باستسقائه منها، في ارتباط بالمرأة الساقية (ب1 ) وما يحمل ذلك من دلالات الفعل الأنثوي صاحب سلطة السقاية وسلطة اختيار المنحى التوزيعي للكأس، والتحكم فيه، مع خضوع الشاعر لذلك:
 صبنت الكأس عنا أم عمرو*** وكان الكأس مجراها اليمينا.
وما يشكل ذلك الدور من الأهمية في تجميع أجزاء القبيلة، والخضوع لها، وارتباط الانتشاء والمتعة والحياة بها.
·        الشوط الثاني، البيت:  11
شرحه:
يوم الكريهة: الحرب
 هذا البيت سيختم به الشاعر مقدمته النسوية/الخمرية بإقراره أن الموت حق حاصل بعد كل شيء،  قضاء وقدرا، وبالتالي فهو بنية استسلام سترافق الشاعر في جزء كبير من القصيدة، كما يعكس البيت تصورا اعتقاديا للمجتمع الجاهلي يجعل الموت/الاستسلام المقابل الطبيعي للحياة/التوتر، وهو ما يجعل منه وحدة مركزية لفهم الرؤية الكونية للشاعر والمترجمة لرؤية قبيلته والمجتمع الجاهلي إجمالا.  
·        الشوط الثالث، من البيت: 12 إلى البيت: 27.
شرحه:
الكاشح : الذي يضمر العداوة، عيطل: امرأة حرة، المأكمة: رأس الورك: السقب : الجمل الصغير، الشمطاء : البيضاء الشعر.
انتقل الشاعر في هذا الشوط إلى الوقوف عند المرأة في قيمتها المقابلة للتجميع أي التفريق رافضا إياه رفضا مطلقا تكرار (قفي)":
 قفي قبل التفرق يا ظعينا...
 قفي نسألك هل أحدثت صرما*** لوشك البين أم خنت الأمينا
          مذكرا بانتصاراته الحربية، ومفتخرا بها، رغبة في إقناع الظاعنة بالثبات والاستقرار على الحال،  فوصف ما تراءى له بصريا وحسيا من اكتمالها الجمالي الجسدي والأنثوي (من ب 17 إلى 23)  ، بواسطة تكرار (تريك) الفعل المتعدي الذي أخذت فيه الذات الشاعرة وضع المفعولية وأخذت فيه صاحبة السلطة وضع الفاعل، إن الشاعر يظهر رغبة جامحة في ثبات تجربة المتعة (المرأة الساقية)، ورفض التغيير والتحول القادم على يد (المرأة المُفَرِّقة)، والذي استسلم له بشكل تراجيدي مؤلم ارتبط في النهاية بالموت (التكرار الضمني للبيت 11 أو بنية الاستسلام)، الذي لم يجد بدا أمامه إلا الاستسلام للقدر، وترجم ذلك بقوله :
 فما وجدت كوجدي أم سقب*** أضلته فرجعت الحنينا، (الفراق في التجربة الحيوانية)
 ولا شمطاء لم يترك شقاها*** لها من تسعة إلا جنينا.(الفراق في التجربة الإنسانية)
 وهي بنية تَلازَمَ تَكَرُّرها كلما واجه الذات الأنثوية. هذا الاستسلام سيظهر بشكل نهائي في مشهد ظهور اليمامة وارتفاع قُراها قال:
 فأعرضت اليمامة واشمخرت*** كأسياف بأيدي مُصْلِتينا
ارتفاع اليمامة مقابل انخفاض مكان الشاعر، بدلالة النقيض.  
·        الشوط الرابع، من البيت: 27  إلى: 90.
شرحه:
أعرضت: ظهرت، غر : بيضاء، المحجر: الملتجئ، الصفون: الخيل التي تقوم على ثلاث قوائم، الثفال: الجلدة أو الخرقة، مرداة: صخرة، غشينا: دنا بعضنا من بعض، الأماعز: الأراضي الصلبة، مخاريق: أثياب مفتولة، خضبن: طلين، الإسناف: التقدم في الحرب، الرهوة: الجبل، العصبة بين العشرة والأربعين، ثبينا: جماعة، الحزون: ما غلظ من الأرض، تضعضعنا: تذللنا، قطينا: عبيدا، الأردل : المطرود، مقتوينا: خدم، الثقاف: الخشبة التي تقوم بها الرماح، الزبون: التي تضرب برجليها، خزازى : جبل، رفدنا: أعطينا، أراطى : اسم ماء، اليلب: الدرع، السابغة التامة من الدروع، دلاص اللينة، النجاد: حامل السيف.
يمكن اعتبار هذا الشوط بنية أساسية وأولية؛ دلاليا وزمنيا في بناء القصيدة، غير أن الإخراج النهائي لها تميز بنسقية مقصودة، فالانتشاء الذي بدأت به القصيدة (جو الخمر والمرأة الساقية)كان نتاجا  لانتصاره في الحرب بعد قتله لعمرو، وهو ما تم  تضمينه في هذا الشوط. غير أن الضرورة المنهجية جعلته يقدمها ليهيء المتلقي لواقعة عمرَو بن هند ومصيره، و/قبيلة بكر (المخاطب) وهو مؤشر مهم على صدق تجربة الوقوف على المقدمات الخمرية والنسيب وغيرها في الشعر الجاهلي، عكس ما حدث في القصيدة العربية بعد القرن الثاني الهجري.
إن هذا الشوط يقدم بنية خطابية واضحة المعالم؛ أطرافها: المخاطِب عمرو بن كلثوم/تغلب والمخاطَب عمرو بن هند/بكر والرسالة التحدي والحرب.
المخاطِب: مهمش، فرض عليه الخضوع، ذات جمعية" أنا الشاعرة و"نحن" الجمعية (تطيع بنا الوشاة، نكون لقيلكم فيها قتيلا، ترى أن نكون الأردلينا، متى كنا لأمك مقتوينا...)
الرسالة: رفض الخضوع والاستسلام، التحدي، الحرب، ويظهر في (لا تعجل (النهي)، أنظرنا(الأمر) نخبرك اليقينا، نصدرهن حمرا، تاريخ مليء بالعصيان، مليء بالانتصارات والمجد، نطاعن، نشق، نحز،الفخر بالتاريخ ورثنا مجد علقمة، ومهلهلا، وزهيرا،نحن ونحن ونحن...)
والمخاطَب  1: صاحب السلطة والحكم، ذات فردية، وصاحب اللايقين في تصور القضية، والجكم، (تُهَددنا، تريدنا أردلينو خدما، الازدراء...)
  المخاطَب  2: قبيلة بكر ( القوة المنافسة، العدو الساعي لإلغاء وجود تغلب) إليكم يا بني بكر ألم تعرفوا منا اليقينا، ألم تعلموا منا،...)
إن السياق التخاطبي المقدم أعلاه يظهر رغبة في التجاوز والتحدي والانتقال من الهامش إلى المركز الذي يحتله عمر بن هند، والذي جرده الشاعر من صفاته السيادية والمقامية، وما رماه به من صور الفردية المجردة عن الذات الجماعية(حدثت، قبلك، تطيع، ترى، أمك...) وغياب التصور في الحكم والمعرفة (اللايقين) ، ونفس الشيء بالنسبة لقبيلة بكر المرماة بعدم المعرفة واليقين، إنهما في نظر الشاعر على مرتبة واحدة من التصور، غير أن خطاب بكر تميز عن خطاب عمرو بن هند بصيغة المخاطب الجمعية، هذا الانتقال فرضته طبيعة المخاطب الجمعي واقتضاء المبارزة العادلة له لتحقيق الانتصار الذي لا يمكنه الوقوع إلا بوحدة القبيلة وانصهار "أنا" التي ظهرت مرة واحدة في (ورثت) الشاعرة في (نحن) القبلية، واعتماد سلطة السلاح والقوة البشرية والتجربة الحربية  وإراقة الدماء والشرعية التاريخية. هذا البناء المليء بسرد الانتصارات والتهديد والحرب شكل بنية توترية مؤخرة عن بنية الاستسلام المقدمة خدمة لاتساق التصور.  
·        الشوط الخامس: يمتد من البيت: 91إلى: 99.
شرحه:
الهوينى: المشي الرقيق، يقتن: يطعمن، القلون: جمع قلة وهي لعبة يلعب بها الصبيان.
يعود الشاعر في هذا الشوط إلى المرأة مرة أخرى، لتتكرر صورها وتتكرر معها صور الاستسلام وإن تغيرت وظائفها، هنا سيقف الشاعر على دور المرأة  الإيجابي بعد أن كان سلبيا عند المرأة المفرقة، فالمرأة في الحروب يشكل وجودها خلف المحاربين  بنية اتصالية  تشحن الهمم وتشجع على القتال خدمة للحياة ودرءا للهزيمة والسبي والموت، إن الشاعر يؤسس لكون بنية الاتصال التي تؤديها المرأة الساقية والمرأة المساندة في الحرب تهب الحياة، وتساند الضمير الجمعي "نحن"، وهذا لا يتحقق إلا بالضرب (ب99)، والإيفاء بالوعود المبنية على استلاب الفرسان وتصفيدهم بالحديد(ب 93 ).
·        الشوط  السادس: من:100إلى 118
شرحه
يدهدهون: يدحرجون، حزاورة: غلمان غلاظ أشداء، الأبطح: الأماكن المطمئنة من الأرض، الكحل : السنة الشديدة، البيض: السيوف، الجفون: الأغماد، سام: كلف، الخسف: الذل.
في هذا الشوط تتضح قيم المجتمع الجاهلي الإيجابية والسلبية (إنا العاصمون، أنا المهلكون، أنا الضاربون، أنا التاركون، نشرب صفوا يشرب غيرنا كدرا وطينا، نبطش، بغاة ظالمين، عدم تقبل الاستبداد (إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فينا، ب 113 ) والرغبة في إزاحة الآخر المختلف يقول الشاعر: لنا الدنيا ومن أمسى عليها...
·        الشوط  السابع: 119 إذا بلغ الفطام...
يشكل هذا البيت وحدة دلالية عميقة تفيد الاعتراف بالقيم والآليات المجددة لبنى المجتمع، والقادرة على حمل لواء الدفاع والاستمرارية في الوجود والتي تحول المجتمع من صيغة الوجود بالفعل إلى الوجود بالقوة.
ü    الخصائص الفنية للمعلقة:
-       التصوير الفني: من خصائص الشعر الجاهلي عفوية الألفاظ والتراكيب، وصدق التجربة الشعرية، مع براعة التصوير الفني القائم على العفوية واللغة الراقية والرغبة في إخراج الصور من ذائرة الغموض إلى رحاب الوضوح الحسي، من غير نسيان البعد البياني القائم على الإقناع؛ من خلال التشبيهات والاستعارات والكنايات، هذه الخصاص ظهرت جلية في  المعلقة من خلال التراكيب اللغوية والبلاغية المعتمدة في التصوير الفني، خاصة في مقام وصف المعارك وشجاعة القبيلة وقهرها للخصوم، وهو تصوير يجعل المتلقي يتصور المشهد في ذهنه وكأنه ماثل أمامه فيزيده ذلك بيانا ورهبة واقتناعا، ويضيف هذا التصوير للمعلقة قيمة فنية تعلي من مكانتها وتنقذها من رتابة الوصف المباشر والعادي، مما يجعلها نصا شعريا راقيا . ومن مواطن البراعة في التصوير.. نذكر قوله، وهو من الاستعارة.
1:الاستعارة التصريحية:
يقول الشاعر:
متى ننقلْ إلى قوم رحانا *** يكونوا  في اللقاء لها طحينا
يكون ثفالها شرقي نجد ***    ولهوتها قضاعة أجمعينا
يصور هذان البيتان مشاهد المعركة ومايحل بالأعداء على أيدي شباب القبيلة من الفتك والتنكيل، وقد ساعد على بيان هذه الصورة استعارة الرحى للحرب، والطحين للقتلى في صورة فنية تصور ما يحل بالأعداء، هذه الصورة أحاطها الفعل الشرطي (ننقل) وجوابه الناسخ (يكون)، بدلالتهما على المضارعة، بأجواء الديمومة والاستمرارية في الزمن، هذان الفعلان أتى الأول فعل شرط مجزوم بمتى الشرطية، والثاني (يكونوا) فعل جواب الشرط مجزوم أيضا بحذف النون، واستعمال الشاعر لمتى الشرطية ربطت بين جواب الشرط وفعله في زمان واحد، وهو ما قدم صورة حركية إيقاعية في غاية الأهمية تفيد في الإشارة إلى قوة وعزيمة وشجاعة شباب القبيلة بما لا يترك مجالا للتردد والكسل؛ فلحظة النتيجة (الطحين) مرتبطة توا بنقل الرحى إليهم في لحظات متتابعة وبدون وجود فراغ زمني بين اللحظتين. وفي النص كثير من الصور الفنية الاستعارية غير هذا النموذج الذي استعمل فيه الشاعر التراكيب  البيانية،  وهو ما سنراه مع نموذج من صور التشبيه القائمة على علاقة المشابهة وصور الكناية القائمة على علاقة المقاربة.

2-االاستعارة المكنية: من نماذجها: قول الشاعر في البيت 29:
بأنا نورد الرايات بيضا ***ونصدرهن حمرا قد روينا
يقول الشاعر واصفا الرايات: «نصدرهن حُمْراً قد روينا»، فالحمرة هنا إشارة إلى الرايات الملطخة بالدماء، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن البيت قائم على استعارة مكنية؛ المشبه به فيها محذوف، وهو الإبل بدلالة "نورد" و:"قد روينا"؛ فالشاعر إذن شبه الرايات في البداية بالإبل حال ضمئها، وشبهها  بعد صدورها عنهم بالإبل بعد ارتوائها   فحال الإبل قبل الارتواء ليس هو حالها بعده، وهذا هو حال رايات أو أعلام الأعداء في الحرب؛ تأتي إليهم بيضاء وتعود إليهم ملطخة بالدماء، وهذه لفتة رائعة البيان والفنية، وما زادها حسنا معنويا ورود الطباق فيها بين: بيضا وحمرا ونورد ونصدر، واختتم  البيت قبل قافيته بـ:"قد" التحقيقة التي تدعم إقناعيته.
إن اختيار اللون الأبيض في البداية وتحوله إلى الأحمر في النهاية بفعل قوة قبيلة الشاعر في النص، هو إشارة إلى حضور ثنائية لونية هامة في الشعر والتراث العربيين، حضور أفاد تصوير المشهد في حركيته وإيقاعه؛ فالبياض يشير إلى الطهر والسلم والحب، والحمرة تشير إلى الموت والحرب، ثنائية أبى الشاعر إلا أن يحضرها لإبراز فعالية الذات في صنعهما، ولعل هذه من أكبر الإشارات التي تفيد شدة وجبروت وقوة القبيلة في ذهن الشاعر، ونجد هذه المعاني تتردد في الكثير من أبيات المعلقة:  
                ذراعي عيطل أدماء بكر                            هجان اللون لم تقرأ جنينا 
3:الكناية: تقوم الكناية على علاقة المقاربة، ويتم توظيفها شعريا لغايات جمالية وفنية وإقناعية، ومن نماذج توظيفها في المعلقة، قول ابن كلثوم: بسُمر من قنا الخطى لدن                ذوابل أو ببيض يختلينا.
يقول الشاعر: "بسمر"  كناية عن الرماح، وب"بيض" كناية عن السيوف، وكنى عن السيوف بالبيض لشرف  منزلتها لدى القبيلة، ويبرز هذا البيت الثنائية اللونية (الطباق) سمر وبيض، بهذه السمر والبيض تختلي قبيلة الشاعر فتشق الرؤوس  وتختلب الرقاب. 
3: التشبيه: ومنه قول الشاعر: كأن جماجم الأبطال فيها    وسوق بالأماعز يرتمينا

يقوم التشبيه على علاقة المشابهة دون درجة التمازج والحلول، الهدف منه إخراج المشبه من دائرة الغموض إلى دائرة الوضوح الحسي عبر إلحاقه بالمشبه به مع الحفاظ على مسافة بينهما يجسدها حرف التشبيه؛ فالمشبه ليس هو المشبه به تماما ولكنه شبه له، وقد استعمله الشاعر في القصيدة بشكل واضح، أبرز من خلاله الشاعر الرغبة الجامحة في توضيح الأشياء في صور حسية، ومنها البيت أعلاه الذي شبه فيه جماجم(رؤوس) الأبطال الشجعان وهي تسقط كما تسقط أحمال إبل في الأماكن الكثيرة الحجارة، إشارة إلى عظمة الحدث وقوة قومه3.   
وبالإضافة إلى هذه الصور البيانية فإن الجانب البنائي التركيبي مليء  بالأساليب اللغوية والبلاغية التي أضفت على النص ملمحا خاصا؛ ومنها نذكر على سبيل التمثيل:
1- الأسلوب الخبري: 
ويفيد سياق النص القائم على الفخر والوصف، وسرد صور الحرب، وعد المناقب وذكر  سيرة الأسلاف إلخ ، وهذا ما تفسر طغيان الأسلوب الخبري، ومن أمثلته: إنا نورد الرايات، بيضا*** ونصدرهم حمرا قد روينا
وسيد معشر قد توجوه ***بتاج الملك يحمي المحجرينا
2-الأسلوب الإنشائي:
        ويظهر في مجموعة من المشاهد المرتبطة بالسلطة، وقد وظفه الشاعر لإضفاء الحركية على الأحداث، وتنويع إيقاعات التدفق الدلالي، ويظهر ذلك في:
 3- أسلوب الأمر؛ كقوله:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا*** ولا تبقي خمور الأندرينا
قفي نسألك هل أحدثت صرما*** لوشك البين أم خنت الأمينا
ومن الأساليب الواردة في المعلقة :
4 -أسلوب التكرار: وهو أسلوب ذو بعد نفسي يرتبط بتعلق الشاعر ببعض المواقف، وهو ما يمنح للمتلقي إمكانيات النفاذ إلى دلالات النص؛ ويظهر التكرار في : "قفي قبل التفرق ..."ب12، "قفي نسألك ب13" .
5- الضمائر : لقد علا صوت القبيلة في النص وسيطر على المشاهد وغلب على إيقاع الحركات والأفعال، ولم يترك حيزا للذات الشاعره المبدعة من أجل الظهور، ذات ذابت في أتون الجماعة، وجسدتها في أبهى صور التعبير الشعري والأدبي؛ ناطقة باسم الجماعة، ومدافعة عنها وعن رؤيتها للعالم. ذوبان ظهر في التغييب الكلي للأنا، والحضور المطلق للنحن على كل مساحة القصيدة .
6-أسلوب التحذير : وهو يخدم سياق الحرب والفخر ويظهر في قول الشاعر:
"ألا لا يعلم" ...ب57 ، ألا لا يجهلن...ب58.
7-أسلوب الاستفهام الاستنكاري: يخدم كذلك سياق الحرب والفخر ويظهر في البيت: 59
بأي مشيئة عمرو بن هند *** نكون لقيلكم فيها قطينا. والبيت 47.
8- أسلوب التوكيد: وقد وظفه الشاعر لتأكيد معانيه ذات العلاقة بسياق الفخركما في البيت 60 في قوله: فإن قناتنا يا عمرو أعيت***على الأعداء قبلك أن تلينا.
كما يقوم البناء الشعري في المعلقة على الارتباط بين أبيات لمعلقة ويتم ذلك من خلال مجموعة من الأساليب كـ:
الشرط في البيت:50 و 51، يقول الشاعر  إذا ما عي بالإسناف....صدر البيت(50) نصبنا مثل رهوة... البيت (51).  كما تم الربط بحروف العطف كفي البيت: البيت 30 والبيت 31 وأيام ...وسيد...التعدية البيت 17 :تريك إذا دخلت...البيت 18: ذراعي عيطل...
إن تتبع المظاهر الأسلوبية والتركيبية والدلالية للمعلقة تبرز بوضوح عمق البناء اللغوي المعجمي التركيبي، والتركيبي الأسلوبي، والبلاغي للشاعر، وقد وظف كل هذه الطاقات لتكثيف الدلالة وإيصالها للمتلقي في صور فنية راقية، وقد ساهم البناء الإيقاعي الذي اختاره الشاعر لمعلقته  في إخراج تلك الصورة والذي تميزعلى مستو الإيقاع الخارجي  بـ ما يلي: 
1-الإيقاع الخارجي : يعكس إيقاع المعلقة  كل مكونات النفس الحماسي للشاعر وقبيلته معاً، فالمعلقة من أقصاها إلى أقصاها قدر تغلي وتضطرم من فرط الاحتفال بالأمجاد وذكر الحروب، وتكاد تتنفس قوة من وقع الألفاظ الضخمة الموظفة، وجو الحرب المندلع، ولقد اختار الشاعر للفخر بحماعته بحراً يساعد على السرد والتصوير ، وهو بحر الوافر التام:
مفاعلتن  مفاعلتن فعولن *** مفاعلتن مفاعلتن فعولن
وهو ما وفر  إمكانية  الفخر والوصف والسرد، والناظر في القافية يلفي انطلاقا إلى أعلى مثله حرف الخروج «الألف» وهو ما يوحي بالعلو والغلبة، وهكذا كان الإيقاع عاكسا لروح الحماسة والفخر، ومساعدا على إبراز التفوق في شكل مكون صوتي، أما القافية فهي متواترة (حركة بين سكونين) كل هذه المقومات  أضفت على المعلقة بعدا حركيا قويا خدم اتجاهها وهدفها.
 2 -الإيقاع الداخلي: ارتبط ببعض الظواهر البديعية والعروضية ك: الجناس : (نزلتم منزل)، التصريع البلاغي (أصبحينا، أندرينا، ومن البيت 105 إلى 109)، التكرار(الكأس، الكأس وإليكم إليكم، تكرار الصدر بأي مشيئة عمرو بن هند إلخ )، الطباق (الأريب#الجنون، التاركون #الآخذون الأيمنين#الأيسرين)...إلخ، كل هذه المكونات الإيقاعية، التي أتينا على نماذج منها فقط وليست للحصر، ساهمت في الارتباط الإيقاعي للمعلقة، كما شكلت خيطا ناظما ،لدلالتها ككل، أبعد عنها التفكك الموضوعي، ورفعتها إلى مستوى راق فنيا ودلاليا ولغويا، وهو ما جعلها محفوظة إلى أن وصلتنا كاملة ومحملة بكل خصائص القصيدة الفنية الجاهلية.
لقد نجحت المعلقة في تخليد ذكرى انتصار تغلب إلى الأبد، كما نجحت في نقل صورة المجتمع الجاهلي قيما وأخلاقا وعلاقات، ومنح ذلك صورة حقيقة عن الرؤيا التي يحملها المجتمع الجاهلي للقيم والكون،  كما قدمت أسلوبا وصورا بلاغية وفنية وبنى لغوية وتركيبية وإيقاعية استطاعت بجزالتها وتناسبها وقوة جرسها أن تضمن بها لنفسها الخلود في الكون الأدبي الشعري العربي.
المصادر والمراجع:
1: ديوان عمرو بن كلثوم، دراسة و تحقيق إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، ط 1، 1991.
2: محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري،ط 3، 1992، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب.
3: الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص: 303



الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

الصورة الفنية لدى الفلاسفة المسلمين.


رشدي السعيد
 تنبه الفلاسفة المسلمون للطبيعة التخييلية للشعر على غرار ما سُجل في الفلسفة اليونانية  لدى أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف وجهات نظرهما حولها، وكشفوا عن منظورهم لكيفية تشكل الصورة الشعرية في بعدها التخييلي، يقول جابر عصفور: لقد انتبه الفلاسفة المسلمون إلى الإثارة اللافتة التي تحدثها الصورة في المتلقي، واقترنت هذه الإثارة بنوع متميز من اللذة، والتفتوا نوعا ما إلى الصلة الوثيقة بين الصورة والشعر باعتبارها إحدى خصائصه النوعية التي تميزه عن غيره[1]، لذلك قاموا  بدراسة الآليات التي تساهم في تشكلها، وأضافوا إضافات نوعية لم يقف عندها اليونانيون، وخاصة في ما تعلق بالأقيسة المنطقية والوظيفة الاستدلالية للشعر، مما بوأهم مراتب أعلى من الشراح.
ولتبين هذه الجهود لا بد من تتبع الأشكال الذي انتقلت بها المفاهيم الشعرية الأرسطية إلى الفلسفة الإسلامية، وقد ارتأينا أولا تتبع بعض الملامح الأولى لتشكل المفاهيم الأرسطية لدى المترجمين؛ فمن خلال استقراء ترجمة متى بن يونس (328هـ) للآثار الأرسطية نخلص إلى أن هذا الأخير (متى بن يونس) قد تفهم الخصائص النوعية للشعر، فحاول فهم المحاكاة من خلال معرفته للمصطلح النقدي العربي "التشبيه" فقرنه بها، فساوى بين التراجيديا وصناعة المديح، والكوميديا والهجاء، وبما أن المحاكاة التي أصبحت جوهر الشعر وسيلة لتوقيع الائتلاف بين الصورة والواقع، فالتشبيه يمكن أن يؤدي معانيها، في هذا السياق أتت محاولات الكندي والفارابي. ومما يمكن قوله اختصارا: إن انتقال المفاهيم الأرسطية من الثقافة اليونانية إلى العربية لم يكن ميسرا بالنظر للفارق بين الثقافتين من جهة، ومن جهة أخرى إن أرسطوا كان بصدد التنظير للمسرح وليس الشعر في وقت إعتقد الفلاسفة المسلمون أن الأمر متعلق بالشعر، وهو ما أدى إلى إشكالية المصطلح والمفهوم معا، وهو ما سنعرضه في هذا المقال، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأستاذ يوسف الإدريسي نبش في النقول الأولى للترجمات والملخصات المبكرة للفلسفة اليونانية، ووجد أن مصطلح التخييل مثلا بمفهوم (مادة الشعر وأداته الإبداعية) لم يرد في رسائل الكندي، ولكن ورد عند معاصريه أمثال: قسطا بن لوقا (300هـ)، وإسحاق بن حنين (298 هـ)، والذي يتبين من ترجمتهما لبعض عبارات أرسطو أن المصطلح ظل يتأرجح في مساره الدلالي والتداولي بين الخيال والتخييل، وهذا الترادف نابع من دلالتهما على قيام صورة شيء ما في الذهن بعد غيابه عن الحس"[2] .
هذا التداخل والترادف والاضطراب لا يدل على جهل المترجمين والشراح والفلاسفة بخصائص الشعر، بل يدل على استعمال بعض الإبدالات التي تؤدي معنى مفهوم التخييل دون تسميته بالمصطلح الدال عليه، ومثال ذلك: نصوص الكندي، حيث نجد  أنها تعطينا صورة واضحة عن " اضطراب المصطلح العربي و تشوش عليه في لحظة بداية تفاعل اللغة والفكر العربيين مع الخطاب الفلسفي اليوناني"[3]؛ إذ نجد الكندي مثلا كان مترددا بين تعريب المصطلح اليوناني phantasia ب" فنطاسيا" و تارة بترجمته ب " التوهم " وتارة ب " التخييل " مما يكشف عن الصعوبة التي اعترضت الفلاسفة المسلمين أثناء محاولاتهم نقل الفكر اليوناني إلى اللغة العربية التي لا يوجد فيها مرادفات للعديد من المفاهيم التي حاولوا ترجمتها، فمن النتائج الواضحة لعدم معرفة " متى بن يونس بالخصائص النوعية للشعرية اليونانية ومقوماتها الجمالية وسياقها قراءته لمصطلح "mimesis" الأرسطي أي " المحاكاة" "أو التمثيل"- الذي يعد العمود الفقري للنظرية الأرسطية بشكل خاص وللشعرية اليونانية بشكل أخص – في ضوء البلاغة العربية " إذ أفرغه من محتواه الدلالي والوظيفي الذي يعتبر الفن محاكاة لجوهر الطبيعة لا للأشياء، وتصوير للممكن والمحتمل من الأفعال والانفعالات والحوادث، فربطه مقابل ذلك بلفظ التشبيه "[4]، وهذا راجع إلى مخاض تكون المصطلح، إلا أنه سرعان ما بدأت تضيق فضفضته، ويأخذ مكانته كمفهوم مع الفارابي وابن سينا وابن رشد الذين قرنوه بالعوالم الجمالية للشعر بعد نقله من مجاله النفسي والطبي، فصار أداة تحليل شعرية الخطاب، ولقياس مداه الإبداعي وبيان خصائصه الفنية التي تتحقق بواسطتها تخييلية القصيدة.
ورغم ذلك، فإن الفلاسفة المسلمين أظهروا تلقيا وفهما للعملية الإبداعية الشعرية كما تصورتها الفلسفة اليونانية، بل تجاوزوها بإضافات نوعية هامة في دراسة الشعر، ويظهر هذا المستوى من التلقي والاستيعاب في تحليلهم ونظرتهم للصورة الشعرية، فقد اهتموا بها معتمدين على تصور أرسطو لمفهومي الخيال والمحاكاة في كونهما إعادة بناء وتشكيل تخيلي لعناصر العالم الخارجي، وتعبير عن وقعه على مخيلة الشاعر أثناء تشكيل هذا العالم في قصيدته من خلال صوره الشعرية، وبالتالي لاحظوا أن الصورة هي نتاج الفعل التخيلي الذي يمارسه ووسيلته في الوقت ذاته، فابتكار وإبداع عوالم جمالية مخالفة لما هو مألوف هو جوهر الشعر، من هنا اتجهوا إلى تحديد التصورات النظرية للشعر واستخلاص قوانينه الكلية، باستثمار الإرث الأرسطي في هذا المجال فدرسوا الشعر من ثلاث زوايا؛ بوصفه تخيلا (من زاوية الإبداع)،  وبوصفه محاكاة (من زاوية علاقة الفن الشعري بالواقع)، وبوصفه تخييليا (من زاوية المتلقي).[5] ومع أنه من غير الممكن التفريق بين الحدود الفاصلة بين هذه المصطلحات فإن ما يوحدها هو كون  العملية الإبداعية تصدر عن المتخيلة، هذه الأخيرة قوة نفسانية مدركة للأشياء. ودراسة المخيلة هي دراسة للآليات والعمليات الذهنية التي يتم بها إدراك الأشياء وتثبيتها في الأذهان، كما تنبهوا إلى أن المخيلة لا تقوم بوظائفها إلا بالاعتماد على مجموعة من القوى الإدراكية التي يمكن إجمالها في قوى إدراكية حسية وقوى إدراكية باطنية، ويتفقون على أن قوى الحس الظاهر تدرك المحسوسات بحسب وظيفة كل واحدة، غير أنها لا تُميز مضارها ومنافعها، ولا جميلها أو قبيحها كما يرى الكندي[6]، وما يميزها كذلك ارتباط الصورة لديها بطينتها، فهي بذلك لا تستثبت الصورة بعد زوال المحسوسات، ونفس الرأي يذهب إليه ابن سينا. أما بالنسبة لقوى الحس الباطنية  فقد اختلفوا فيها، وانقسموا إلى ثلاثة اتجاهات [7]:
الاتجاه الأول: يمثله الفارابي وابن سينا، ويرى انقسام هذه القوى إلى خمسة؛ الحس المشترك، المصورة، المتخيلة، الوهم، الحافظة.
الاتجاه الثاني: فيمثله الكندي الذي اكتفى بتقسيم هذه القوى إلى ثلاث؛ القوة الحسية والعقلية والمصورة.
الاتجاه الثالث: لم يلتزم بتحديد واضح؛ فأضافوا وحذفوا من هذه القوى؛ كابن رشد الذي قسمها إلى ثلاث: الحس المشترك، والمتخيلة، والذكر، سيرا على خطى ابن باجة.
وتكمن أهمية هذا التقسيم في إدراك التباين الحاصل بين الفلاسفة المسلمين حول موضوع التخيل أو الصورة والقوى الإدراكية وعددها تبعا لفهمهم للظاهرة، كما يستنتج منه خروج نسبي لفلاسفة المغرب عن اتجاه المشارقة.
غير أن هؤلاء الفلاسفة يتفقون جميعا على أن الدماغ يشكل مركز هذه القوى،  باستثناء الفارابي الذي جعل بعضا من هذه القوى في القلب.
ومما يستنتج أن الصورة تحصل انطلاقا من مجموعة من المراحل والمستويات حُددت في خمسة:
المستوى الأول، قوى الحس الخارجي[8](خارج النفس): على هذا المستوى تتشكل الصورة في مرحلتها الأولى؛ إذ يتم إدراكها في طينتها، وما يميز هذه القوة عدم قدرتها على الاحتفاظ بها بعد زوالها عنه، بالإضافة إلى عدم قدرتها على تقييمها (القبح، الجمال، الضرر، النفع).
المستوى الثاني، الحس المشترك[9]: تنتقل الصورة مباشرة إلى قوى الحس الباطنية وتبدأ من الحس المشترك، في هذا المستوى تتشكل الصورة في غيبة عن طينتها عكس ما كان عند قوى الحس الخارجية.
المستوى الثالث، المصورة أو الخيال[10]: في هذا المستوى يتم حفظ الصور التي استقبلها الحس المشترك، ولم تحصل هذه القوة على اتفاق كل الفلاسفة المسلمين بل نص عليها الفارابي وابن سينا فقط، أما ابن رشد فلم يجعلها مستقلة غير أنه يشاطرهما الرأي في كونها مركز حفظ الصور، والفرق بينها وبين الحس المشترك كون هذه الأخيرة غير قادرة على حفظ الصور.
المستوى الرابع، المتخيلة[11]: في هذه المرحلة تنتقل الصورة إلى المتخيلة ويسميها الكندي المصورة أو الفانتاسيا أو التخيل وأحيانا التوهم، وأهم وظائفها  هو استعادة صور الأشياء من الماضي، كما تقوم بتأليف وتركيب الصور أو فصلها بحسب الإرادة وعلى نحو جديد، ولا يقتصر دورها على صور المحسوسات بل كذلك المعاني المجردة، وإذا استعمل العقل هذه القوة سميت مفكرة وإذا استعملها الوهم سميت متخيلة، كما يحصل على مستوى هذه القوة  صدق التأليف أو كذبه، غير أن من طبيعتها المخالفة إذ لا تعيد تركيب الأشياء كما هو، غير أن ما يميزها هو عدم استقلالها عن الحواس، وكونها أكثر تجريدا وأكثر تحررا من قيود الواقع، وضع يمنحها إمكانية تركيب الأشكال كيفما شاءت.
المستوى الخامس، الوهم[12]: وهو قوة نفسانية لها قدرة قوية على تجريد الصور عن طينتها، كما تستطيع أن تنال المعاني التي لا تحتاج  في صورها الخارجية إلى مادة ولا إدراك بالحواس. ويرى ابن سينا أن هذه القوة هي المركبة بين الصورة والصورة، وبين الصورة والمعنى، وبين المعنى والمعنى"[13].
غير أن حكم هذه القوة تخيلي مقرون بالجزئية والحسية وليس حكما فصلا كالحكم العقلي.
المستوى السادس، الحافظة: [14]وهي خزانة الصور المدركة بالوهم والحافظة لما أدرك من الصور الشعرية المحسوسة وغير المحسوسة، واختلف الفلاسفة في تسميتها فابن سينا يذكرها بالقوة الحافظة أو الحافظة الذاكرة أو الذكر أو المتذكرة أو الذاكرة، وعلى هذا المستوى يكون عمل هذه القوى متكاملا ؛ فتعمل المتخيلة على استعادة الصور بمساعدة القوة الوهمية والحس المشترك؛ إذ تقوم القوة المتخيلة بتحريك الصور والمعاني الموجودة في الخيال فتلوح الصور في الحس المشترك والمعاني في الوهم، عندها يدرك الحس المشترك والوهم للصور والمعاني وهذا هو التذكر، فالتذكر إذن هو تمثل الصور المحفوظة.
خاتمة
هكذا وقف الفلاسفة المسلمون على قوى الإدراك المسؤولة عن تشكل الصورة وحفظها بعد تجردها عن مادتها، غير أن هذه القوى الإدراكية النفسية ليست جوهرية وتحتاج إلى العقلنة، وتتم هذه العملية بواسطة العقل ليشكل هذا الأخير ثالث مرحلة بعد القوى الحسية الظاهرة والباطنة، وكل قوة من هذه القوى تعتمد على ما قبلها، وتبقى القوة العقلية الأكثر تحكما، ويظهر أن المتخيلة الموضوعة في المرتبة الوسطى تباين العقل من جهة وتباين الحس من جهة أخرى، ولها قدرة كبيرة على ابتكار الصور وتأليفها وتذكرها واستعادتها مجردة أو محسوسة كل هذه القدرات مكنتها من الارتقاء عن مرتبة  الحس دون الوصول إلى مرتبة العقل، هذا الأخير هو الذي يصور المعاني في كليتها لا في مادتها كما هو حال المتخيلة والحسية، غير أن فهم الفلاسفة المسلمين لقوتها وسلطانها خاصة في الشعر جعلهم يخضعونها لرقابة العقل فهي غير عاقلة، وهذا نزوع منطقي وأخلاقي ينسجم والأخلاق الإسلامية الميالة لكبح الغرائز التي تثيرها حركة الصور في المتخيلة، ولم يكتف الفلاسفة المسلمون بجانب التخيل من حيث مستويات الإبداع  وتشكل الصورة وما يرتبط بذلك من الإلهام والفيض والوحي ومراحله المشكلة من الومضات والضبط الواعي  كما يرى ابن سينا[15] وغيره من الفلاسفة، بل اهتموا كذلك  بالتخييل  من حيث وظيفته وأثره في المتلقي وضبطوا سلطانه بسلطان القوة الناطقة، وجعلوه قائما على "ثلاثة أبعاد : بعد منطقي وبعد سيكولوجي، وبعد بلاغي صرف"[16] كما اهتموا كذلك به من زاوية المحاكاة، وجعلوا هذا الركن قوام العمل الشعري، فأدركوا أن الشاعر يعيد تشكيل الواقع من جديد بما يشابهه ويحقق الاستجابة النفسية المطلوب تحقيقها[17].
      هكذا ظهر العمق الكبير الذي تم به تلقي المفاهيم الشعرية الأرسطية وعلى رأسها الصورة من كل زواياها، تلق لم يكتف بترديد شروحات "فن الشعر" بل تم تكييفها بما يتناسب مع خصوصيات الثقافة العربية وخصوصيات المجتمع العربي الدينية والاجتماعية واللغوية، هذا وإن سجل نوع من الاضطراب على مستوى المصطلحات والمفاهيم فهذه نتيجة منطقية للتباين الحاصل بين المجتمعين تاريخيا وطبيعيا واجتماعيا، ولم يكتف الأمر بالتكييف فقط بل بالإضافات، فبوؤوا الشعر مكانة عالية وجعلوه قسما من أقسام المنطق، وهو ما لم يتحقق في البيئة اليونانية، بالإضافة إلى ذلك كان وعيهم لمفهوم المحاكاة أكثر شمولية من وعي اليونانيين يقول د مولاي يوسف الإدريسي:"يدل إقحامهم لمصطلح التخييل في شروحهم لكتاب الشعر على وعيهم أن مفهوم المحاكاة لا يقارب مختلف الجوانب الإبداعية والجمالية التي تسم العملية الشعرية وتحدد مستويات تشكلها واشتغالها".[18]
هذا العمق في الفهم والاستيعاب والتطوير انتقل إلى البلاغة والنقد في محطتين اثنتين شكلتا قفزتين إبستمولوجيتين في مجال البلاغة والنقد والأدب العربي من خلال عَلمين؛ أما الأول فهو عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز"، والثاني وهو الأكثر عمقا في مجال البلاغة والنقد مثله حازم القرطاجني في "منهاج البلغاء وسراج الأدباء". 




[1] - جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب ، ط 3 ، المركز الثقافي العربي،1992، ص6 .
:، التخييل والشعر، حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية، ص55.[2]
[3]  - :، التخييل والشعر، حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية،، ص 53 .
[4]  - نفس المرجع، ص 64 .
نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين ، ص:10.[5]
:  نفس المرجع، ص 117.[6]
:  نفسه، ص 18.[7]
:نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، ص 16.[8]
:نفس المرجع، ص 21.[9]
: نفسه، ص 26.[10]
:نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين ، ص29.[11]
 نفسه، ص 16.[12]
:نفسه ص 43.[13]
:نفسه،ص 45- 46.[14]
::نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين ، ص69.[15]
: :، التخييل والشعر، حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية،،ص 151.[16]
:، التخييل والشعر، حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية،، ص68.[17]
: نفس المرجع ، ص 151.[18]

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

(الحـداثـة)، الإمكانات والخيارات.


بقلم: السعيد رشدي
         لم يتقدم الغرب علميا فقط بل وسع تقدمه كل (مسارات الحياة)، فأسس نسقا فكريا مكنه من (الحداثة) و(ما بعدها) (postmodernité)، في الوقت نفسه أسس لها نسقا حمائيا، وإذا كان هذا التأسيس جزئيا ومرتبطا بالنموذج الأوربي فقط، فإننا نسجل عليه طابع الهيمنة والاستلاب والإقصاء لمختلف النماذج المخالفة، يسجَّل هذا في وقت مازالت البلاد العربية تبحث عن ذاتها، ولم يُسجل على الفكر العربي تقاعس في بحث هذا الموضوع، بل تناوله بشكل ممتد في الزمان قرونا، بيد أن تباين الظروف السياسية بين الغرب والعرب ساهم في نسف كل محاولات التطور إلى الأمام، وهو ما سنتناول في هذا المقال.
           إن الحديث عن (الحداثة) وسُبلها، عند العرب، هو حديث عن التراث وصلا أو فصلا، هذا الموضوع كان محور بحث المفكرين العرب منذ النهضة؛ فأتى كل رائد بمبلغ جده وجهده، وهم في ما أتوا به اتجاهات، وهي عموما كما حددها طيب تيزيني في كتابه "من التراث إلى الثورة":"النزعة السلفية، نزعة المعاصرة، النزعة التلفيقية، المركزية الأوربية، النزعة التحييدية"،[1] ومما يتقرر في هذا السياق هو تباين الرؤى بين من يرى التراث مدخلا أساسيا  فدافع عن الارتماء في الماضي والإعراض عن كل اجتهاد عقلي وتوجه مستقبلي والتزام النصوص؛ كما يرى السلفيون، ومن يرى أنه لا يمكن تأسيسها إلا بالقطيعة مع التراث؛ كما يرى العروي، ومن يرى أن الحداثة تتأسس على ضرورة إعادة قراءة التراث وتقويض المركزية الأوربية؛ كما يرى المرحوم الجابري، ومن يرى أنها تتأسس على المزج بين التراث ومقومات الحضارة الأوربية؛ كما يرى التلفيقيون، وإذا كان الاختلاف أهم السمات المميزة لهذه الاتجاهات فإن الوسيلة هي ما يقرب بينهم، وهي الثورة. هذا المفتاح- في نظرهم- هو أهم مدخلات (الحداثة)، إلا أن بعد حدوث مجموعة من الثورات في العالم العربي، لوحظ أنها لم تؤد إلى المنشود، وهذا الحكم ليس مبتسرا بالنظر لطبيعة مسار الأحداث في بلدان الثورة، مما جعلنا نتساءل حول إشكالية الثورة و(الحداثة) عند العرب.
          وبداية، سأقف عند جزء من الإرث الذي خلفه التاريخ والتراث العربيان على درب تأسيس المفهوم(الثورة)، فعكس ما يروج البعض من كون الشعوب العربية هادئة متقاعسة مستنكفة عن المطالبة بالحقوق، نسجل في الجانب اللغوي أن المعاني المرتبطة بالمادة المعجمية [ث. و. ر] كثيرة وتفيد في مجملها "التحول" ولا نعدم أن نجد لها ارتدادات في مختلف السياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بنفس الحمولة، بما يفيد أن أغلبها يشير إلى تلك الحركة الانتقالية الجارية بين التقابلات الثنائية كـثار: انتقال من سكون إلى انفعال، وَرَثَ: انتقال ملكية من هالك إلى حي...إلخ، مما يعني تداولها الواسع. أما من حيث الوقائع، فقد كان للعرب بعد الإسلام أول موعد سياسي معها في حادث مقتل الخليفة عثمان -رضي الله عنه- (35هـ). بعد ذلك، تناسلت الحركات الثورية خصوصا بعد مقتل علي- كرم الله وجهه- فوقعت ثورات العلويين والخوارج، مرورا بالفترة الأموية والعباسية، وكان أهمها في الفترة العباسية ثورتي الزنج (255هـ)، والقرامطة(264هـ) كما ذكر الطبري في تاريخه[2]. أما الاصطلاح فهو قديم  كذلك؛ فقد استعمله الطبري نفسه، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، هذا التداول السياسي والديني امتد إلى الثقافة وخاصة الأدب، فنسجل قيام خصومات أدبية ونقدية بين أنصار القديم والحدبث أدبا ونقدا، هذا الوضع شكل بنيتَه جدلُ اللغة والواقع الاجتماعي والاقتصادي والديني والسياسي. ومن منطلق هذا الاتساع المفهومي وظلاله الأدبية والجغرافية والسياسية والإيديولوجية فقد كانت مطلب الحركات الفكرية العربية خاصة اليسارية بعد الاستقلال، غير أن استجابة الشعوب لهذا المطلب تأخر إلى بدايات هذا القرن.
 بعد وقوع الثورات،  تُوج مسارها بعد أول عملية انتخابية ديمقراطية في التاريخ العربي الحديث بالتعبير عن الرغبة في العودة إلى التراث من خلال انتخاب الأحزاب الدينية، وهو اختيار وجد ما يبرره في طبيعة الواقع السياسي السائد، غير أن انتخابها أظهر أنه انزياح مؤقت؛ إذ ظهر بعد الانتخابات أن هذه الحركات سعت للتتويج بالمُلك الذي لا يبلى، على اعتبار ما قامت به حفاظا على سلطتها وإطالة لأمد الحكم بدل الاتجاه إلى ما يجب أن يكون، فكشف ذلك قصورا تنظيريا واضحا. ومن زاوية أخرى، فإن اختيار هذه الأحزاب، على هِناته، ترجم تصورا واضحا مفاده أن الشعوب العربية واعية بأن (الحداثة) الغربية ليست ملاذا سائغا؛ لافتقادها للبعد الكلي الإنساني، مما اعتُبر ردا واضحا على النزعة اللاتاريخية واللاتراثية، فـ(الحداثة) والعدالة والديمقراطية لا يمكن أن تتهيأ إلا بالعودة إلى التراث والاتجاه إلى المستقبل بشكل سلمي سيرا على نهج الغرب المؤصل (لحداثته )بالعودة إلى حضارتيه اليونانية والرومانية، وسيرا كذلك على نهج اليابان والصين وماليزيا وكوريا... والتي انطلقت من تراثها ولغاتها وتمكنت من رسم معالم مستقبلها بما يضمن حقوقها، وهذا الاختيار، التراثي المستقبلي، من شأنه إثبات الذات أولا بعد سلسلة النكبات والهزائم والجراح التي تلقتها الأمة على امتداد الزمن المعاصر، وتفادي القمع الذي ما لبثت الحداثة الغربية تمارسه في حق مستوردي نموذجها (الحداثي) وخاصة الأفارقة والعرب، في مقابل احترامها للنماذج المنبثقة عن هويتها وتراثها ولغاتها الوطنية، لكن تم إجهاض هذه الرؤيا من الداخل قبل الخارج، نتيجة لعدم وجود قوى سياسية وفكرية قادرة على تلقف وتبني ولادتها، ولم يكن الأقرب إليها أنذاك نظريا سوى "الحركات الدينية" التي لم تستطع صياغتها بما يتناسب مع تصور الشعوب الثائرة لقصور في التنظير وضعف التجربة وافتقاد الرؤيا الحداثية للواقع والمأمول، فـ"الثورة فعل برؤيا"[3] كما قال أدونيس، والرؤيا الحداثية تقتضي الاستكشاف، هذه الأوضاع ساهمت في انغلاق مسارها وعجل باستعادة النسق السابق.
 هذا الأمر يقودنا إلى طرح سؤال مشروع قائم على مدى سلامة الاختيار الثوري، يجيب التاريخ المعاصر بكون معظم الثورات في العالم الثالث تتغيا السلطة، وهو سبب قمين بزرع بذور الفشل؛ ومن نماذج ذلك ثورات أمريكا اللاتينية والعالم العربي. أما في الغرب، فنستنتج من استقراء أغلب تجاربه الناجحة أن التوافق في إطار التطور كان هو المفتاح وليس الثورة، وإن كانت للثورة في بعض نتائج إيجابية كفي فرنسا(1789).
إن تكوين العقل الغربي قام على ثوابت تتجاوز الثورة، وهذه الأخيرة ما هي إلا محطة موجزة من محطات تاريخه الطويل الممتد من الإغريق والرومان، مرورا بالقرون الوسطى، والحربين الكونيتين، مما يدل على أن غطاء التراث حاضر في المسار التوافقي الديمقراطي لأوربا، وأثره عميق حَفَّزَ على إعادة النظر في أنماط التفكير ووضعية العقل، وهو ما أدى إلى تحقيق الحرية واستقلالية الإنسان الغربي، وبناء المجتمع القائم على المواطنة (الغربية)، مواطَنة للأسف حامت بالبعد الإنساني لكنها ما وردته، فلم تستطع تجاوز نطاق الانسجام العقدي والحضاري،  مما جعلها عاجزة على تجاوز الفضاء الغربي، وهو ما سيقوض مسارها وسيفتح أفقها على الصدام.
       وختاما، إن الثورة ليست أقصر الطرق إلى الديمقراطية والعدالة والحداثة خاصة في دول العالم الثالث، والمؤثرات التي ساهمت في تكوين العقل الغربي وخلفياته النظرية هي غير ما هو كائن في بنية العقل العربي، إلا أن الإيمان بأن الحداثة تشيد في إطار كلي وإنساني أمر في غاية الأهمية؛ هذا التشييد السلمي يشكل الإمكان الأمكن والقابل لأن يصير المقابل الموضوعي للنموذج الحداثي الغربي، وعلى هذا الأساس فهي ليست بضاعة للتصدير والاستيراد كما يتوهم الغرب وبعض المستغربين من العرب افتراءً واستقراءً، ومتوهم استيرادها واه، وبائعها غاو، ومقتنيها مهان. إن الإيمان بكون رسم مسار المستقبل وتشييده هو وعي يُشيَّد يتطلب مشروعا مؤسسيا تربويا وفكريا، كليا وإنسانيا، قائما على خلفية نظرية يستلزم علوها أن يكون مبتدؤها غورا، والسهم لا ينطلق إلى الأمام إلا إذا رجع إلى الخلف، عودة مؤقتة لازمة، لا بد فيها من التوافق بين مكونات المجتمع وإمكاناته المادية واللامادية، وذلك لخلق إبدالات كلية عكس التجارب الجزئية الأوربية، والمؤدلجة العربية السابقة؛ كالتجربة القومية في سبعينيات القرن الماضي القائمة على استيراد البناء النظري ونفي الآخر، أو تجربة ثورات اليوم القائمة على مغامرات الحروب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر.
المصادر والمراجع:
·الطبري، تاريخ الطبري، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، ج 9 ، ط 2، دار المعارف، د.ت.ط، مصر.
·أدونيس، فاتحة لنهايات القرن، ط 1، 1980، دار العودة بيروت.      
· طيب تيزيني، من التراث إلى الثورة ط2، 1978، دار ابن خلدون بيروت.                         




:طيب تيزيني، من التراث إلى الثورة ط2،1978، دار ابن خلدون بيروت، ،ص25[1]
:الطبري، تاريخ الطبري، تحقيق أبو الفضل إبراهيم ،ج 9 ، ط 2، دار المعارف مصر،ص 431.[2]
: أدونيس، فاتحة لنهايات القرن، ط 1، 1980، دار العودة، بيروت، ص:30.[3]
 : أدونيس، فاتحة لنهايات القرن، ط 1، 1980، دار العودة، بيروت، ص:30.[3]