الخميس، 19 نوفمبر 2015

الإعجاز الأسلوبي والنحو.

قراءة في كتاب:"الإعجاز الأسلوبي والنحو"

للأستاذ عز الدين الذهبي


بقلم السعيد رشدي


يرى "روني كينون" "René Guénon" أن النص القرآني هو النص الوحيد الذي حافظ على قدسيته في الكون، ولعله أكثر النصوص استقطابا للدراسات اللغوية والعلمية بكل أنواعها، وما يميزه كون بنائية لغته  وخطابه مطلقتين، ومصدر هذا الإطلاق هو أنه وحي من عقل مطلق، هذه البنائية تجعل كل قراءة له قراءة نسبية، هذه النسبية مستمدة من نسبية العقل الإنساني. هذا الحوار بين العقل الإنساني النسبي والعقل المطلق الذي يمثله النص القرآني يجعل كل قراءة قراءة متجددة، وهو ما يؤدي إلى إنتاج نصوص ودراسات وقراءات نسبية النتائج، يكون فيها للقارئ والدارس نصيب على قدر موهبته وعلى قدر الاصطفاء الإلهي، وهو القانون الذي جعله الله تعالى شرطا للوصول إلى مكنون الكتاب مصداقا لقوله تعالى:" ثُمّ أَورثنا الكتابَ الذين اصطفينا من عبادنا"[1]، في سياق هذا الحوار المعرفي بين العقلين الإنساني النسبي والمطلق، حاولنا استنطاق مضمون المقاربة الأسلوبية التي تغيا بسطها الكاتب أستاذنا عز الدين الذهبي في كتابه: "الإعجاز الأسلوبي والنحو"[2].
ننطلق في عرض تصورات الكتاب من عتباته التي اختار لها الكاتب عنوان:" الإعجاز الأسلوبي والنحو" هذا الاختيار نابع من الأهمية التي تحظى بها العناوين من حيث التبئير للمادة العلمية (مضمون الكتاب)، واختيار هذين التركيبين الوصفي والعطفي يظهر رغبة في تقرير التعالق المؤثر والحاصل بين المتعاطفين "نظام النص" الإعجاز الأسلوبي، و"نظام اللغة" النحو في دائرة الدرس اللغوي القديم.
انطلق الكتاب، بشكل عام، من وصف لطبيعة اشتغال النحو والنحاة باللغة، والذي تميز منهجيا بعدم التفريق في الانزياح الأسلوبي بين نظام النص البليغ ونظام اللغة، وهو ما دفع النحاة إلى التزام المواقف التبريرية والدفاعية للرد على خصوم القرآن الكريم؛ بنفيه أحيانا أو تعميمه على اللغة بدل استغلاله لإبراز إبداعية اللغة في النص القرآني، وبذلك أهدرت قيمته وتعقدت مهمة النحو، كانت هذه هي الفكرة التمهيدية للموضوع المحدد في دراسة منهج النحاة في التعامل مع ظاهرة الانزياح.
لقد قسم الكاتب النحاة إلى قسمين؛ الأول أصحاب الدراسات القرآنية، وهم: أبو عبيدة، والأخفش، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: النحاة الخلص، وهم ثعلب والمبرد، واتخذ سيبويه، في بداية كل الفصول، لتأصيل منهج النحاة، كما انتخب نظرية الانزياح في المقام الأول للاشتغال بها؛ لأنها تستجيب لطبيعة المادة في الوقوف على الغايات البلاغية للنص، وفي هذا السياق أشار إلى أهمية الاستفادة من العلوم الإنسانية ونظرية السياق وعلوم اللغة والأدب؛ لأن هذه العلوم والمسالك والحقول المعرفية تسهم في اكتشاف أسلوبية النصوص ومبادئها وإجراءاتها المنهجية.
وفي سبيل ذلك، اعتمد الكاتب بيبليوغرافيا واسعة جغرافيا، وممتدة زمنيا، ومتنوعة موضوعا؛ فشملت النحاة القدامى؛ كالأخفش في "معاني القرآن"، وثعلب في "قواعد الشعر"، والجرجاني في "دلائل الإعجاز"، و"مفتاح العلوم" للسكاكي، وابن هشام في "مغني اللبيب" والمتوكل في "دراسات في نحو اللغة الوظيفي"، وتودوروف في "نقد النقد"، والفاسي الفهري في "اللسانيات واللغة العربية"، ونصر حامد أبو زيد في "مفهوم النص". وغيرها.
قضايا الكتاب  :
نبدأ عرض قضايا الكتاب من:
1.   قضية الترتيب: يرى الكاتب أن موقف النحاة، وعلى رأسهم، سيبويه لا يكشف عن الانزياح في ظاهرة التقديم والتأخير ماداموا يوحدون بين نظام النص ونظام اللغة، وهو موقف مستنبط من تصور سيبويه  لظاهرة الترتيب، ونفس الشيء بالنسبة لابن جني وإن خرج عن خط النحاة لاعتباره تقديم الفاعل والمفعول أصلين، ولامس في ذلك شيئا من الحس الأسلوبي، لكن على الرغم من ذلك فموقف ابن جني لم يسعفه في الكشف عن الانزياح  لنفس الاعتبار المتمثل  في الاستعمال العام للغة، ويرى الكاتب أن ظاهرة الترتيب هي ظاهرة خاصة تتطلب تفسيرا خاصا، ولكي يظهر البديل المقترح انطلاقا من مثال تطبيقي جسده بيت النابغة الذي يقول فيه:
جزى ربُّه عني عدي بن حاتم""""جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
       يرى الكاتب أن الفاعل احتل موقعه بعد الفعل، واحتل المفعول موقعه بعد الفاعل، غير أن تقديم الهاء أدى وظيفة أسلوبية تجلت في الإشارة إلى أهمية المفعول المنتظر، وأدت دور تشويق وإثارة؛ حيث شدت انتباه السامع إلى غاية ظهور الخفي أي المفعول، ودخول الجار والمجرور بين المذكور والمضمر أدى إلى التشويق، وتقديم الفاعل نابع من كونه معلومة مشتركة بين المرسل والمتلقي، وقد أشاد الكاتب بملامسة عبد القاهر الجرجاني لهذه الظاهرة وهذا المعنى، وأتى بأمثلة توضح ذلك نحو قوله:" إن الشيء إذا أضمر ثم فسر كان ذلك أفخم من أن يذكر من غير تقدمة إضمار ويدل على صحة ما قوله أنا نعلم ضرورة قوله تعالى:" فإنها لا تعمى الأبصار" فخامة وشرفا وروعة لا نجد منها شيئا في قولنا: " فإن الأبصار لا تعمى".
وقد فسر الكاتب تباين مواقف الأطراف الثلاثة؛ سيبويه والنحاة من جهة، وابن جني من جهة ثانية، والجرجاني من جهة ثالثة بالبعد أو القرب من نظام النص، فكلما اقترب الدارس للنص القرآني أو الأدبي من ذلك النظام كلما أصاب كبد الإبداع الأسلوبي، وكلما كانت مقاربة النص من نظام اللغة كلما جانب تلمس الإبداعية في الأسلوب،  هذا التحليل جعل من مقولتي التقديم للعناية والاهتمام، وزيادة المبنى لزيادة المعنى مركزا للنقد، ووضع بواسطة هذه النظرية تصورا يجعل من كل أطراف الجملة المقدمة والمتأخرة مركز اهتمام وغاية، ويجعل زيادة المعاني والإبداعية لا ترتبطان فقط بزيادة المبنى كما ترى الدراسات البلاغية، ولكن ترتبطان بالتحويلات التي تحصل على مستوى البنية السطحية في علاقتها بالإبداع الأسلوبي.
السؤال الذي نطرح في هذا السياق هو : ما الذي أبعد سيبويه من نظام النص إلى نظام اللغة، وجعل الجرجاني يلامسه في دراسة النصوص، وجعل ابن جني في موقف وسط؟ هنا أعرض المقاربة التالية:
الذي جعل سيبويه والنحاة مؤطرين بنظام اللغة كما قال الأستاذ أنهم هو اهتمامهم بالمتلقي والمنجز من الكلام؛ فقد استقرؤوا كلام العرب من القبائل رغبة في تقويم كلام اللاحنين لما انتشر اللحن، وهو ما سيسمح بتحقق التواصل السليم والتعبد الصحيح طبقا للمعايير المستنبطة من مدونتهم الكلامية، فتكون بداية اهتمامهم من الألفاظ بعد التحقق والإنجاز؛ أي من المبنى إلى المعنى؛ بمعنى أن الأصل لدى هؤلاء يبدأ من منتصف الطريق عند الجرجاني؛ باعتبار مجال النظر عند هذا الأخير يبدأ من المعنى في الذهن أي من مجال البنية العميقة إلى المبنى؛ اللفظ إلى المتلقي، والذي قاد الجرجاني إلى بناء هذا التصور هو تبنيه للاعتقاد السني الأشعري في الصفات الإلهية، وخاصة الكلام الذي يعتبرونه نفسيا، وهي الفكرة التي دافع عنها، وأسست نظريته في النظم، وبالتالي فإن عبد القاهر تصور المتكلم أكثر مما تصور المتلقي واهتم بالعملية التواصلية في شموليتها  انطلاقا من المعنى النفسي، في ارتباطه بالمتكلم،  إلى إلباسه لبوس اللفظ ثم إلى فك شفرته وتحقق معناه في ذهن المتلقي في مرحلة ثالثة، والذي جعل ابن جني يقف موقفا وسطا هو اهتمامه بالمنطقة الوسطى بين المتكلم والمتلقي؛ فاهتم بالألفاظ منجزة في الأصوات وأثارها في المتلقي، ومجال اهتمامه هذا أبعده من دائرة النحاة حتى إن بعض الدارسين لا يعدونه منهم، ونستنتج أن متتبع الظاهرة الأسلوبية وخاصة الانزياح يجد ضالته كلما انصرف اهتمامه إلى نظام النص في بنيته النفسية العميقة، وهو ما تأتى للجرجاني عكس ابن جني وسيبويه.   
2.   الترتيب في المصنفات الأدبية:
عادة ما يتم التمييز بين اللغتين العادية والأدبية إلا أن الإشكال في اللغة الأدبية يرتبط بتعدد الأجناس؛ فيباح في الشعر ما لا يباح في النثر، مما يؤدي إلى تباين المواقف، ولمعالجة جانب من هذه الظواهر حاول القدماء تأطيره وإحاطته بمفاهيم علمية وإجرائية، ومن بينها مفهوم النظم الذي استعمله ابن قتيبة وطوره الجرجاني وجعله جسرا بين النحو واللغة الأدبية.
بعد أن حدد الكاتب نظام اللغة، ونظام النص وموقعه في اللغة الأدبية، انتقل إلى دراسته في علاقته بالإعجاز والنحو من خلال تمظهراته، والتي حددها في ما يلي:
3.   الترتيب بين الإعجاز والنحو:
ü    الترتيب الداخلي: يتعلق بالكلمات إفرادا عن طريق:
-      التبئير:  نحو قوله تعالى:" خُشّعًا أَبصارُهُم يخرجونَ من الأجداثِ" هنا مركب اسمي حالي متقدم على مركب فعلي "يخرجون من الأجداث"، النحاة الأول يفترضون وبناء على الافتراض يستخرجون المعنى، والمعنى طبقا لتصورهم هو أنهم يخرجون من الأجداث وأبصارهم خاشعة، وتقدير الكاتب قائم على تحويلين الأول حاصل بالتبئير لـ"خشعا أبصارهم"؛ لأن المراد ليس الإخبار بالخروج من الأجداث، أي البعث لأنها حقيقة معلومة من آيات أخرى سابقة، ولكن المراد هو إبراز حالهم لحظة الخروج، والذي ارتبط هنا بما يصيب أبصارهم، والذي تم التبئير له في التحولات التي لحقت بالمركب الحالي: يخرجون من الأجداث أبصارهم خاشعة:

·       الأول: يخرجون من الأجداث خشعا أبصارهم
·       الثاني: خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث.
هنا يظهر التحليل الأسلوبي الذي نادى به الكاتب انطلاقا من بنى النص الظاهرة في علاقتها بالبنية العميقة، فيظهر من استخدامه للمفاهيم والآليات اللسانية كيف تشتغل الأسلوبية، وكيف تستمد مفاهيمها منها، ومن مظاهر الترتيب الخارجي كذلك:
ü    تحريك العناصر الأساسية:
-      يسارا، نحو قوله تعالى: "والأنعام خلقها"[3] أو يمينا نحو قوله تعالى:" وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم"[4].
اختلف النحاة في الآية الأولى والثانية، وسنعرض للآية الثانية فقط، وفيها يرى بعض النحاة أنه تم تقديم الفعل وإظهار كنايته في آخره، ويرى آخرون أن "كثير" بديل بدل من الواو، واعتبرها آخرون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره :" ذلك كثير منهم" عند الفراء وأيده الزجاج  بتقدير "ذووا العمى والصمم كثير منهم" وقد رفض الكاتب كثيرا من هذه التوجهات لأنها تستند إلى قواعد النظام اللغوي التي لا تفيد في شرحه؛ لاستناد بعضها إلى قواعد المطابقة بين الفعل والفاعل وهو شاذ مستشهدين بلغة هذيل، لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار" كما يسميها نحاة الأندلس، أما الرأي المستند على البدلية فتجعل المتلقي أمام توقعات متعددة، أما الثالث فيجعل المتلقي أمام إمكانية المشاركة في صياغة النص، وأضاف أن القرآن استعمل تركيبا شاذا لينسجم مع ما وقع فيه بنو إسرائيل من شذوذ السلوك التعبدي لما عبدوا العجل، فجاء التركيب شاذا لإبراز قوة انحرافهم، وأضاف أن التحليل الأسلوبي يكمل اجتهاد النحاة، ولا يلغيه شريطة الانطلاق من القرائن النصية.
-      تحريك العناصر الثانوية(الفضلات): عادة لا يكون ترتيب الفضلات مثار مشكل بين النحاة على غرار ترتيب العناصر الأساسية، غير أن هذا التحريك لا يخلو من أثر أسلوبي مهم، ومثل ذلك قوله تعالى:" لِنُريكَ من آياتِنا الكُبرى"[5] يقول أبو عبيدة :" مجازها مقدم ومؤخر أي " لنريك الكبرى من آياتنا" ولا مجال للتسوية بين البنيتين؛ من حيث إن ما ذهب إليه أبو عبيدة يسد الطريق أمام إبداعية الأسلوب، ويسجل الكاتب أن نظام النصوص يفوق نظام اللغة.
-      الفصل بين المقولات المتلازمة، وسنكتفي بمثال واحد للمعطوف والمعطوف عليه في قوله تعالى:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة"[6]، اختلف النحاة في الملائكة بين رفع معطوفة على الله وجر بتقدير حرف جر في محذوف قبلها، فيظهر من هذا الاختلاف جملتان؛ الأولى تقديرها: يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، والثانية تقديرها: يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة، غير أن تقدير البنية السطحية يفيد: يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكةُ تأتي، وبالتالي فالملائكة معطوفة على الله بدون فاصل، وانحرافها كان نتيجة اتساع عناصر بنية المعطوف.
4.   الترتيب الخارجي: ويقوم على الفصل والوصل بين المركبات المستقلة:
ü    الفصل بين المركبات المستقلة نوعان:
-      الأول: المتصل بالدلالات الشرعية وما تؤدي إليه من المقاصد، مثال قوله تعالى:" وما يعلمُ تأويله إلا اللهُ والراسخونَ في العلمِ يقولونَ آمنّا به كلّ من عند ربنا"[7] يرى ابن قتيبة أن" الراسخون في العلم " معطوفة على الله، وبالتالي فهم يعلمون المتشابه، واستدعى لإثبات رأيه مبررات عقدية ولغوية، واختلف الفراء والزجاج معه جاعلين الواو استنافية، وحققوا الفصل بين الجملتين، ومن المبررات اللغوية للفصل عدم وجود النسق، وما يمكن أن يؤدي ذلك إليه من تعدد التأويل بتعدد الراسخين في العلم.
-   النوع الثاني: الفصل الموهم بوجود الوصل: ومنه قوله تعالى:"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة"[8]، اتفق النحاة على أن الغشاوة متعلقة بالأبصار لوجود الفصل بالواو الاستنافية، وقد أتت منصوبة على تقدير حذف الفعل، والتقدير جعل غشاوة على أبصارهم، ومن تفسيرات هذا الفصل أن ظهور غشاوة قطع امتداد الجملة السابقة، وهو ما ذهب إليه الكاتب. إن إرجاع الفصل لظهور الغشاوة راجع لدلالتها المعجمية، وإن لم يكن للمعجم أثر في توجيه القراءة الأسلوبية للنصوص لحد الآن فإن الترتيب الدلالي سيكشف عن أهمية الدلالة التركيبية في الكشف عن الأسلوبية في جانبها الترتيبي.
5.   الترتيب الدلالي:
انتقل الكاتب إلى الترتيب بحسب التتابع المنطقي للأحداث، هذا الترتيب يظهر أسلوبية متميزة في التعبير ومن أمثلة ذلك قوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام:" اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون"[9] قال الزجاج في هذه الآية إن الوصل هو : "اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم" إن أسلوبية الآية كشف عنها الترتيب المنطقي للأحداث الذي قيست عليه، وهو ما يفيد تقديم" ثم تول عنهم" وتأخير "فانظر ماذا يرجعون" هنا سنلاحظ الاستعانة بالتسلسل المنطقي للأحداث لإبراز أسلوبية الآية، وأطرح سؤالا: لماذا لم يتم استدعاء إحدى أهم مركبات نظام النص في القرآن، وهي الروابط التي تعد حروف العطف جزءا منها. يقول الفخر في التفسير الكبير: "إن أكثر روابط القرآن مودعة في الترتيبات والروابط"[10] هنا سنقف على حروف العطف التي أتت فاء مرة واحدة وثم مرة واحدة كذلك، فيظهر أن "الفاء" و"ثم" كافيتان لإبراز التقديم والتأخير؛ فالفاء تفيد التعقيب المباشر بمراقبة الحدث الأول إلى أن يتحقق المراد، وثم تفيد التراخي، وهو يفيد الموقف الذي يفرض ترك مساحة زمنية لمشاهدة عملية المراجعة التي ستقوم بها الملكة، أنذاك يسمح بالتولي بعد استقصاء ردة الفعل.
6.   الحذف.
يوضح الكاتب أن هذا الفصل سيخصص لمعرفة طبيعة معالجة النحاة للحذف والحدود الفاصلة بين نوعيه الأسلوبي واللغوي، والتجاوزات التي أدت إلى عدم التفريق بينهما وآثار ذلك في جمالية النصوص، والبداية من سيبويه باعتباره أول من صاغ الأصول، ونبدأ بحذف الفعل.
-      حذف الفعل: يقول سيبويه:" وذلك قولك إن كنت تحذر : إياك كأمك قلت...إياك باعد وإياك اتق، وما أشبه ذا " وحسب الكاتب فإن الظاهر من العنوان هو أن الباعث على تقدير الحذف قائم على تبرير النصب، ولا سبيل للقول بأنه محذوف؛ لأنه لم يسبق له وجود، لكن إذا ثبت أنه استعمل، أنذاك يصح الحديث عن الحذف، أو متى كانت شروط التواصل داخل جماعة معينة تقتضي الحذف في إطار الاقتصاد اللغوي. أما اعتقاد سيبويه بوجود الحذف في "إياك" سببه عزل اللفظة عن السياق الذي يشكل الخلفية التي تغني عن الذكر، وعلى العموم فربط الحذف بالكلمات لا ضرر فيه ولكن إسقاط ذلك على النصوص البليغة يؤدي إلى منزلقات، مثال ذلك قوله تعالى" بل ملة إبراهيم حنيفا"[11] فملة منصوبة بفعل محذوف عند النحاة، لكن الخلاف في سبب الحذف؛ فالنحاة يربطون سبب حذف الفعل بكثرة الاستعمال، وهذا منزلق حد من إبداعية الأسلوب في الآية، والتي تتجلى في لفت انتباه المتلقي للاسم المصدر للرسالة.
-      حذف الاسم: قال تعالى:"واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا عليها"[12] قدر النحاة في الآية محذوفا هو "أهل" لتجاوز التنافر الذي ربط السؤال بالقرية، وهذا الحذف مرفوض في نظر الكاتب لما فيه من منزلقات قائمة على كون التخريج ينطبق على اللغة العادية، أما في سياق النص فالأمر شيء آخر، فإخوة يوسف يستشهدون بالقرية بما فيها من كائنات حية وغير حية من أجل أن يصدقوا لمّا وقعوا في ورطة التفريط في الأخ فما كان منهم إلا الاستشهاد بكل ما يمكنهم من إثبات صدقهم.
-      حذف الحرف: قال سيبويه:" ذهبت الشام.
وقال ساعدة بن لؤلؤة:
لَدْنٌ يهزُّ الكفَّ يعسِل متنُه       فيه، كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ.
يفرق الكاتب بين الحذف في لغة التداول "ذهبت الشام"، ولغة النص الأدبي كما جاء في البيت، وحذف الحرف مع الفعل في البيت أحدث معنى خاصا حيث يفيد أن الثعلب من شدة إسراعه جعل الطريق وكأنها تسير معه ما يشير إلى ان الحذف في نص بليغ مخالف للغة المتداول اليومي.
7.   الحذف بين الإعجاز والنحو
يِؤكد الكاتب أن مبادئ سيبويه في الحذف ستصبح عاجزة أمام النص القرآني وسيؤدي تطبيقها إلى إنعكاسات سلبية على معنى النص، ومن أمثلة ذلك:
-      حذف الفعل: قال تعالى " وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون"[13] اختلف الفراء والزجاج في تقدير الفعل المحذوف بعد ما الجزائية؛ فالفعل الذي قدره الزجاج هو "حل" وهو ماض، أما الفراء فقد قدره ب "يكن" وهو مضارع، ويرى الكاتب أن المعنى بالتقديرين سيضيق بربط بالآية بالزمن.
8.   الزيادة
 يعد مفهوم الزيادة من المفاهيم غير السليمة في دراسة اللغة، لأن النص لا يستغني عن أية وحدة من وحداته الكلامية، وقد أدى البحث في مفهوم الزيادة ومصطلحه إلى إغناء دراسة التراكيب القرآنية، وسيبويه لم يستعمل هذا المصطلح بل استعمل بديلا له وهو اللغو، ويتعلق هذا المفهوم بالعنصر الذي لا يحدث أي تأثير في الجملة حضورا أو غيابا، غير أنه في بعض المواضع يحس سيبويه بأنه لا يكون عنصرا محايدا بالنسبة للمعنى، يقول:"وأما "لا" فتكون كـ:"ما" في التوكيد واللغو، وقال بشأن "ما" في قوله تعالى:"فيما نقضهم ميثاقهم"[14] "فإنه جاء لأنه ليس لـ"ما" معنى سوى ما قبل أن تجيء إلا التوكيد"، وقد يحس القارئ بتعارض رأي سيبويه في كون "لا" لغوا وتوكيدا، غير أن هذا التعارض يزال بثنائية اللفظ والمعنى، فاللغو يصيب اللفظ فقط، فيفقد بذلك وظيفته التركيبية لكنه يحافظ على وظيفته الدلالية.
9.   الزيادة بين الإعجاز والنحو
أزال النحاة مصطلح اللغو ووضعوا الزيادة بديلا عنه وكثيرا ما يقع على اللفظ والمعنى، وعدم الفصل بينهما حمل سلبيات كثيرة، فيحمل ما لا يؤثر في المعنى، لذلك اعتبروه زائدا، واختلف النحاة حول الزيادة في بعض المواضع، واتفقوا على وجودها في بعض المواضع الأخرى.
-      مواضع الاتفاق: منها قوله تعالى:" فبما رحمة من الله لنت لهم"[15]يرى سيبويه أن ما لم تعمل في ما بعدها فعدت زائدة، والمعنى فبرحمة من الله لنت لهم وبرر وجودها معنويا هو التوكيد، وهو ما ذهب إليه المبرد، يقول:" زائدة مؤكدة لا يخل طرحها بالمعنى" ومن منزلقات هذا الرأي فصلهم بين اللفظ والمعنى وتعميم مقتضيات نظام اللغة على نظام النص، ولبيان هذا الفرق اقترح الكاتب استبدالها بما يلائمها، ولتكن الكلمة المقترحة "أسباب" فقولنا فبأسباب رحمة من الله لنت لهم فإن الكلمة ستأتي بمجموعة من المعاني كالتعليل والتعدد وهو ما عبرت عنه بقية الآية (العفو، الاستغفار، ...) وكل ذلك من أسباب رحمة الله، فنلاحظ أن الآية ذكرت بعض ما أجمل في ما إلا ان ذكر تلك المعاني لم يستنفد كل ما في "ما" منها، ومن بين مواضع الاتفاق كذلك "كل" التوكيدية، والجار والمجرور نحو قوله تعالى:" ولا طائر يطير بجناحيه".
-      مواضع الاختلاف: يختلف النحاة في زيادة بعض الحروف منها في قوله تعالى:" وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون"[16] اتفق النحاة أن إدخال الباء وإخراجها مؤثر في المعنى، وقدروا جميعا معنى الآية بعد إخراجها، ولعل الذي حملهم على هذا أن الاستخدام القرآني للباء وراءه مؤشر انزياحي، فتخلى الفراء على التبرير الشكلي وطرح استبدال المفتون بالمجنون والإبقاء على الباء، فقال:"المفتون هاهنا بمعنى المجنون" والواقع أن ما ذهب إليه الفراء معنى عادي، وأما الزجاج فأعطاها معنى المفتون أي المجنون مجردة من السياق، وقرر أن الباء ليست لغوا، ويرى الكاتب أن الباء تخرق العادة بقولها فترغم الفعل الذي سبقها على توليد معان جديدة بمجاورته لها بالإضافة إلى معناه في المعجم.
10.               التكرار والتناسب.
حدد الكاتب أصناف التكرار في:
-      التكرار المتصل، تكون الكلمة مجاورة لأختها.
-      التكرار المنفصل، يكون بتكرار الكلمتين في بداية الجملة أو في نهايتها.
-      التكرار المتداخل، وتكون فيه الكلمة المتكررة متباعدة داخل الجملة الواحدة.
-      تكرار الجمل وأشباهها، تكون الجمل المكررة فيه متجاورة متباعدة.
-      التكرار المتصل: يكون بمجاورة الكلمة لأختها، ومنه قوله تعالى:"لا يسمعون فيها لغوا إلا قيلا سلاما سلاما"[17] هنا مثال التكرار المتصل، واختلف النحاة في العامل الذي أحدث النصب، فذهب أبو عبيدة إلى أن سلاما نصبت على المصدر، وذهب الأخفش إلى أن النصب حدث بالقيل أو بالعطف أو بالفعل، أما الفراء فيورد إمكانية النصب بالفعل مع تجويز الرفع، ويرى الكاتب أن العامل الجمالي أحدث النصب في الاسم معللا ذلك بالتشاكل الحاصل بنصب الميم في تأثيما؛ مما أدى إلى بنية صوتية متناغمة  وموازية للبنية الدلالية المفيدة لدوام السلام واستمراره، ويخرجه من دائرة السلام التداولية، وهذه القيمة مستنبطة في إطار نظام النص، بخلاف ما ذهب إليه النحاة الذين أطرهم نظام اللغة؛ فجعلوا قيمة الحركات الثلاث متساوية.
-      التكرار المنفصل: يكون بتكرار الكلمتين في بداية الجملة او في نهايتها: ومنه قوله تعالى:"قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه باسم الله الرحمان الرحيم ألا تعلو علي وأتوني مسلمين"[18]، يرى الأخفش أن باسم الله مقدمة في المعنى، وذهب الفراء إلى أن "إنه من سليمان" و"إنه باسم الله" أنهما في موضع رفع على التكرير، وقد تكون في موضع نصب على سقوط الخافض، أما الزجاج فيرى أن التكرار وارد في كتب الأنبياء على سبيل الإيجاز والاختصار، ويرى الكاتب أن استخدام إن في المواضع الثلاثة اختياري وليس اضطراريا؛ بمعنى أن وحدات الجملة الواقعة قبل إن أو بعدها لا تستلزم ضرورة بمعنى أنك قد تحذفها دون أن تترك خللا، وحذفها في المرتين الأولى والثانية، لا ينتج عنه أي خلل نحوي، وإذا قرأنا النص من غير "إن" فإن ذلك يؤدي إلى اختفاء الإيجاز وقوة التعبير وجوانب من المعنى؛ فقول بلقيس: "ألقي إلي كتاب كريم" دون أن تدخل "إني" يفيد أنه تلقت الكتاب في حالة نفسية عادية، وقولها "إني" تعكس انشغالها بالكتاب واهتمامها به، وقد يتساءل قوم عن دواعي اهتمامها به فتكون "إني" ردا عن السؤال، وحذف "إني" لن يولد سؤال القوم مما يفيد عدم الملاحظة وعدم الاهتمام، وإعادة الضمير في "إنه من سليمان" تأكيد على استمرار الموقف النفسي السابق، وجيء بـ"إنه" في المرة الثالثة إشعارا ببداية أخطر خبر في الكتاب، غير أن الأخفش يرى أن "باسم الله الرحمن الرحيم" حقها التقديم في المعنى غير أن تأخيرها كسر المألوف ووجودها إلزام للمتلقي "الملكة" بتعظيم الاسم الأجل، فنقول هنا: ألا يمكن اعتبار باسم الله الرحمان الرحيم بداية لرسالة سليمان، وأنها لم تخضع لأي تأخير، وإن قراءة بلقيس لها لا تترجم رغبة سليمان في إلزامها بقولها؛ من حيث كونها افتتاحية نص لا تعلم بفحواه الاعتقادي.
-      التكرار المتداخل: وتكون فيه الكلمات المكررة متباعدة داخل الجملة الواحدة.ومنه قوله تعالى:" لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"[19]  اعتبر الأخفش أن الفعل الأول بدل من الثاني، وأخرج الفراء المعنى بإسقاط الفعل الثاني، أما الزجاج ففسره بطول الجملة، ويرى الكاتب أن طول الجملة لها أهمية ثانوية، وأن التكرار هنا لا يمكن فصله عن معنى الفعل المكرر (لا تحسبن) ليفيد بذلك مضاعفة التنبيه والتحذير، نظرا لشدة زيف وتمويه المحذر منهم.
-      تكرار الجمل وأشباهها، لم ينظر إلى خصوصية هذا النوع إلا في حالات قليلة كما فعل ابن قتيبة بالنسبة لسورة الرحمان، قال:"ثم اتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم ويقررهم بها"، وقال عنه في سورة الكافرون أنه يفيد التوكيد، واكتفى أبو عبيدة بشرح زمن أفعاله، ورأى الفراء أن التكرير فيها جاء على التغليظ والتهويل معمما ذلك، ولاحظ الكاتب أن هذه المعاني تأتي في سياق نظام اللغة، والحال أن الخطاب القرآني له معانيه الخاصة ويختلف من نص لآخر، ففي سورة الكافرون يحمل الموقف النهائي للرسول صلى الله عليه وسلم مما يعبد الكافرون، ويفيد هنا التيئيس، وقد يأتي على الترهيب نحو قوله تعالى:"لترون الجحيم ثم لترونها"[20] ، وبالتالي فالتكرير على التغليظ دائما كما قال الفراء فيه نظر، وقد يأتي للتوكيد، فيتضح أن التكرار لا يستوقف النحاة كثيرا لاصطدامه بقواعد النحو وخروجه عن تقاليد التعبير النمطي.
11.               التناسب بين الإعجاز والنحو:
منذ البداية يوجه الأستاذ إلى أن الحركات الإعرابية والصيغ الصرفية في النص تأتي مخالفة لنظام القواعد في بعض الأحيان، والسبب في ذلك الرغبة في وضع تناسب خاص للنص، فيتدخل النحاة لتقويم ذلك الانزياح ولينصاع للقواعد، فيؤدي ذلك إلى فقدان المعنى، وقد حدد الكاتب التناسب في نوعين:
-      تناسب الائتلاف: ومنه قوله تعالى :"إن هذان لساحران"[21] كانت الآية موضع خلاف النحاة بسبب بحثهم عن الآلية المناسبة لإدماجها في نظام اللغة، وورد عن عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن قوله تعالى : "إن هذان لساحران" قالت هذا خطأ الكاتب، وزعم أبو الخطاب أنه سمع قوما من بني كنانة يعربون المثنى بالألف رفعا ونصبا وجرا، وذهب بشر بن هلال إلى أن "إن" هنا بمعنى الابتداء والإيجاب، ورأى الأخفش أن "إن" مخففة من الثقيلة وهي لغة بني الحارث، أما الزجاج فذهب إلى أن معناها نعم، أما الكاتب فيرى أن النص اختار نظاما غير مطرد استجابة لغرض خاص في موضع خاص، وهو ما لم يتفطن له النحاة، وأن مجيء قوله تعالى: "إن هذان لساحران" على ذلك يدخل في إطار شبكة التوازي التي تنظم النص، وأطرح هنا توازيا دلاليا آخر نحاه الأصوليون يقضي بأن "هذان" مرفوعة لغرض رفع الحكم بالسحر عن موسى عليه السلام.
-      تناسب الاختلاف:
ومنه قوله تعالى:"ليس البران تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرمن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون"[22] ، يلاحظ أن وحدة "الموفون" اتخذت وضعا إعرابيا مخالفا للقواعد المطردة علما أن هذا الخرق لم يؤد إلى تناغم صوتي كما رأينا في تناسب الائتلاف، في هذه الحالة فإن هذا الانزياح أحدث تناسبا دلاليا، ولقد حاول النحاة إيجاد مسوغات للوصول إلى غايات مشتركة وهي ردم الفجوة بين الانزياح والنمط؛ فذهب أبو عبيدة إلى أن خروج الصابرين سببه كثرته في كلام العرب، وذهب الأخفش إلى أن "الموفون" وردت بالرفع على إضمار "بر" وذهب الزجاج إلى أنها رفعت على المدح، وذهب الفراء إلى أنها صفة لمن آمن ومن صبر ومن أوفى وليست معطوفة عليها، ويرى الكاتب أن مبدأ المدح أو الدم عاجز عن تفسير لماذا اختص الصابرين في البأساء بالمدح دون بقية الطوائف، والواقع أن الاستخدام غير العادي للحركات الإعرابية يحمل معنى خاصا بالنظام الدلالي وما يجب ملاحظته هو وحدة الحكم التي تجمع المعطوفات، والتي تجعل الاختلاف الدلالي ظاهريا فقط وليس جوهريا، هنا نقول إن وحدة الحكم النهائي التي سيق إليها الجميع المتجلية في نيل مرتبة التصديق والتقوى أبطلت إمكانية أن يكون الخروج من النصب إلى الجر أو الرفع مغيرا للوضع النحوي للمعطوفات؛ فالاشتراك في الوضع النهائي، جعلت من الاختلاف الإعرابي ظاهريا فقط وليس جوهريا.
تقييم عام للكتاب:
تناول الكتاب الإعجاز الأسلوبي في القرآن الكريم بشكل علمي، معتمدا في ذلك التصور اللساني في كثير من قضاياه، وبشكل منهجي قائم على التفريق بين نظامين؛ الأول نظام اللغة ويمثله النحاة؛ وظهر في بنائهم للقواعد التكلف والتعقيد وعدم قدرتهم على فهم الانزياحات في النص القرآني، هذا العامل حال دون تلمسهم للعامل الجمالي والدلالي للنصوص، بسبب إسقاط نظام اللغة على نظام النص.
الثاني نظام النص: الذي يمثله التصور الجديد المعتمد على أسلوبية الانزياح باعتماد المفاهيم اللسانية والذي استطاع تلمس بعض المعاني الجديدة في النص، وبيان بعض ما فيه من الانزياحات الدالة على إبداعيته وجماليته ودلالته، وبالتالي إعجازه، ليصل في الأخير إلى أن الأسلوبية علم قادر على مقاربة النصوص أسلوبيا وكشف ما وقع فيه النحاة من تكلف وأخطاء وعدم قدرة على كشف مغالق النصوص.
المصادر:
1عز الدين الذهبي، الإعجاز الأسلوبي والنحو، المطبعة والوراقة الوطنية، ط 2005، مراكش، المغرب.
2: [1] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.



[1] :سورة فاطر، الآية 32.
[2] :عز الدين الذهبي، الإعجاز الأسلوبي والنحو، المطبعة والوراقة الوطنية، ط 2005، مراكش، المغرب.
[3] :سورة النحل، الآية 5
[4] سورة المائدة، الآية 71:
[5] سورة طه الآية 5
[6] سورة المائدة الآية 210:
[7] سورة آل عمران، الآية 7
[8] سورة البقرة الآية 7
[9] سورة النمل، الآية 28
[10] السيوطي/ الإتقان في علوم القرآن، ج2المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان، ص 108:
[11] سورة البقرة، الآية: 35
[12] سورة يوسف، الآية 82
[13] سورة النحل، الآية 53.
[14] سورة النساء الآية 155
[15] :سورة آل عمران 159
[16] سورة القلم الآية 4.5
[17] سورة الواقعة، الآية 24:
[18] سورة النمل الآية 29 و 30:
[19] سورة آل عمران، الآية 188
[20] سورة التكاثر الآية 6و 7
[21] سورة طه الآية 63
[22] سورة البقرة الآية 177:

الأحد، 15 نوفمبر 2015

رسالة باريس


بقلم السعيد رشدي

عن ماذا بحث الإرهاب في باريس؟ ماذا حقق؟ ومن استفاد؟ من الضحية؟ ومن الجلاد؟ اشتعلت النيران، واحترقت الجثث، وانتشرت أصوات البنادق والتفجيرات بين الأسوار وفي الساحات، حل ظلام باريس قبل الأوان في ليلة من ليالي أنسها، ورياضتها، ومسرحها، وثقافتها، وحياتها.
الذين استعجلوا ظلام باريس وأجهدوا النفس فيها قتلا وفتكا وتفجيرا هم، في بداية الحكاية، أولئك الذين انتعشت أسهمهم في سوق المقاصل في بغداد ودمشق والقاهرة. وفي وسط الحكاية، هم أولئك الذين ذَبَّحوا النساء والولدان والشيوخ في سنجار والرقة ودمشق والقاهرة. وفي نهاية الحكاية، هم أولئك الذين رحلوا إلى باريس للقتل والتفجير، وأولئك الذين ارتحلوا إليها لتقديم آيات العزاء أو أرسلوا رسائل المواساة متظاهرين بكونهم  ضحايا. إنها مسرحية أكبر من مسرحية باريس، المخرج المستفيد والجمهور المستمتع هم البغدادي والأسد والسيسي واليمين المتطرف في أوربا، والضحية فيها شعب فرنسا وإنسان فرنسا ومسلم فرنسا.
الذين قصدوا باريس، حاملين سلاح الموت في حقائبهم، وأسفار البؤس في محافظهم، وقدموا جوازات اليأس في سفرهم، لتفجيرها، وتعزية ضحاياها، وإسكات ألحانها، وإطفاء أنوارها، وإذلال مسلميها، وتخريب مساجدها، وحرق كنائسها، وتدمير ثقافتها، وتشجيع متطرفيها، لا إيمان لهم ولا دين، ولا تراث ولا حضارة، هم أولئك العدميون العابثون الذين لا يتقنون غير صناعة الموت في العراق وسوريا ومصر وباريس، هم أولئك الجاثمون على إرادة شعوبهم، هم أولئك الذين يقتلون الشعوب من أجل الأبناء، وأيضا هم أولئك الذين يساندون من يقتل الشعوب من أجل الأبناء في باريس ولندن وواشنطن. أما الضحايا، فهم أولئك الذين ليس بين حياتهم وموتهم سبب طبيعي في الشرق والغرب، هم أطفال ونساء وشباب سوريا والعراق في الداخل وبلدان اللجوء، وهم أيضا أولئك الذين تدمع عيونهم عند رؤية شقاء الإنسان ومحنه وهو يصارع الموت من أجل البقاء في كل حين ومكان.  

الخميس، 12 نوفمبر 2015

عصر الانقلابات اللغوية

(نشر هذا الموضوع بجريدة المساء العدد 2837، بتاريخ: الاثنين 23 نونبر 2015)
بقلم : السعيد رشدي
شهد المغرب، هذا الأسبوع، انقلابا لغويا صامتا بقيادة ممثلي التيار الفرنكفوني بالمغرب، هذا القرار أنزله وزير التربية الوطنية على المناهج التعليمية المغربية إنزالا، والذي بمقتضاه سيتم تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية في الثانوي التأهيلي بداية من الموسم الدراسي المقبل.
لقد أتى هذا القرار، بحسب الوزارة، تصحيحا لاختلالات المنظومة التربوية، وهذا التعليل أقبح وأعوص من جوهر الإشكال؛ لما فيه من مغالطات لا تتصل، بالعلم، بسبب؛ فاللغة العربية بريئة من اختلالات مناهج وزارة التربية الوطنية وبرامجها براءة الذئب من دم يعقوب، وبدل أن تجهد الوزارة نفسها ما وسعها الجهد في البحث عن حلول علمية وعملية للإشكال التربوي اللغوي المغربي، ها هي ترمي بنفسها في حضن المعشوق وتجعله بديلا حضاريا وثقافيا.
 إن هذا الاختيار يعد استمرارا للنهج القائم على البحث عن الحلول الجاهزة والرخيصة، الذي تتبعه وزارة التربية الوطنية، والذي تميز هذه السنة بالتشريع لما سمي بـ"الباكالوريا الدولية"، أو بالأحرى "الباكالوريا الفرنسية"، تمييزا عن "الباكالوريا المغربية"، ومع ما ينطوي عليه هذا القرار الخطير من نزوع تمييزي طبقي، وما سيسفر عنه من التهميش والإحساس الجمعي الخاطئ بتفوق الفرنسية، ودونية الباكالوريا المغربية وحامليها، على غرار ما نشهده من تمييز بين الشواهد الوطنية والدولية في التقدير والاعتبار، فإن إنزال مذكرة التدريس باللغة الفرنسية هذه يسير في هذا الاتجاه ويكرسه.
وبإقرار التدريس باللغة الفرنسية فإن جزءا من السيادة اللغوية الوطنية تكون قد انتُهكت بتواطؤ واضح من الجميع، وبمباركة من حكومة (إسلامية) التزمت لغة الصمت، ولسان حالها أبلغ من لسان مقال، إن حدث، فلن يتجاوز عتبة التنديد والشجب في أحسن الأحوال، وبذلك تعود فرنسا للمغرب من أبوابها القديمة حاملة لواء استعمار جديد، مثبتة بذلك لغةً التحرر عنها أعنى، ومقويةً لوشائج فراقها أعصى، ومدعمة لاتكالية فطامها أنكى، يحدث هذا في وقت تشهد فيه الجامعات الفرنسية أسوأ أوضاعها، كما تشهد فيه فرنسا، حكومة ومجتمعا، نقاشا لغويا عميقا يعرف زحف اللغات الألمانية والإنجليزية والصينية.
إن العودة إلى الفرنسية، اليوم، في المناهج التعليمية المغربية قرار سيكون من نتائجه القضاء على دعوات تبني اللغة الإنجليزية والتعريب، وتصفية اللغة العربية من المناهج التعليمية الوطنية، وسيأتي فيه الفرنكفونيون على أخضر هذا الوطن ويابسه، مشروع تخريبي لا يرضي غير أسيادهم الفرنسيين الذين ظلوا مناوئين للغة العربية والتعريب إلى أن تم توقيفه بعد منتصف ثمانينات القرن الماضي، واستبداله بالازدواجية اللغوية التي تمت الردة عليها اليوم والاستعاضة عنها بالفرنسية، هذه الردة هي قرار فرنسي سياسي فوقي، يخدم نفوذ الفرنكفونية التي تواجه زحفا أنجلوساكسونيا في إطار حرب اللغات القائمة بينهما على خريطة النفوذ في العالم.
 ولئن كانت اللغة الإنجليزية تقود هذه الحرب بالبحث العلمي والتواصل والتقنية، فإن فرنسا تقودها بالالتجاء إلى الأساليب القديمة القائمة على العملاء وتحصين مستعمراتها السابقة، وذلك بهدف الخروج بالفرنسية من ضيق الحدود الحاصل عليها في أوربا والالتفاف عليه جنوبا بجعل منطقة المغرب العربي خطا أماميا في معركتها اللغوية، خاصة لما تعالت في السنتين الأخيرتين أصوات رسمية من داخل المغرب والجزائر تنادي باللغة الإنجليزية بديلا لغويا عن الفرنسية، ومنها دعوة وزير التعليم العالي المغربي الحالي لحسن الداودي إلى التدريس بالإنجليزية والاهتمام بها في الجامعات، وقرار وزارة التربية الوطنية هذا هو خضوع وتنفيذ وانخراط في حرب اللغات ضد الذات والإنجليزية بالوكالة، وبذلك يكون المصير القومي المغربي وهوية الوطن لعبة بيد المتفرنسين المغاربة، تتقوى بها فرنسا والفرنسية كلما أحست بهوان الذات واللغة وافتقاد المزيد من مناطق النفوذ.
 ولعل المغرب اليوم يشكل نموذجا اقتصاديا يتقوى ويتمدد يوما بعد يوم في ذاته وفي إفريقيا الغربية وأوربا والمشرق، هذا التمدد والقوة لا يمكن مواصلتهما بالوكالة اللغوية وإنما باللغة العربية الأصيلة خاصة في ظل المنافسة الفرنسية، ودليل ذلك ما من دولة متقدمة وقوية عرفها التاريخ والعالم بغير لغتها؛ أصالة وابتداء.
إن مسألة الانفتاح على اللغات مدخل أساسي من مداخل التقدم والبحث العلمي، وهو ركن من أركان النظام التربوي المغربي، آمن به المغرب وطبقه في كل المراحل التي قطعها نظامه التربوي، غير أن كيفية ذلك مازالت مساحة للتفكير والنقاش العلميين لا مساحة للقرارات السياسية والإيديولوجية، ولعل أحسن ما يمكن تقديمه لهذا الوطن في هذا النزال اللغوي، أن تتجرأ الحكومة وتعلن قرارا سياسيا مفاده إخضاع لغة التدريس لاستفتاء شعبي نهائي يقرر فيه أبناؤه اختيارهم اللغوي التربوي، إجراء تربوي ديمقراطي ستكون فوائده حميدة وعوائده نفيسة، والمغاربة واعون أيما وعي بأنهم مدعوون لتصحيح اختياراتهم التربوية والبيداغوجية والاجتماعية واللغوية، مدعوون للتوجه للغة العربية؛ باعتبارها آلة تفكيرهم ووعاء ثقافتهم وهويتهم وحضارتهم، ومدعوون لاختيار اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة بحث علمي، وما دون ذلك مما تسعى إليه وزارة التربية الوطنية فمحال استنقاذه، ضَعُف الطالب والمطلوب.

Haut du formulaire


الاثنين، 5 أكتوبر 2015

المنجز اللغوي لتلميذ المدرسة المغربية


  اليوم، والحمد لله، صدر كتاب المنجز اللغوي لتلميذ المدرسة المغربية، كتاب يعرض الحصيلة اللغوية لمتعلمي اللغة العربية بجهة مراكش مع تحليل دقيق للتعثرات؛ من حيث: طبيعتها، وروافدها، وأنواعها، وأسبابها. الكتاب صدر عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش 2015.  






الاثنين، 1 يونيو 2015

"نظرية الأدب" عند "رونيه ويليك" و"أوستن وارن".

"نظرية الأدب" عند "رونيه ويليك" و"أوستن وارن"*

السعيد رشدي

تتأسس نظرية الأدب عند "رونيه ويليك" على التفريق بين الأدب والدراسات النقدية؛ فالأدب إبداع فني في مقابل النقد الذي يعتبر دراسة للأعمال الأدبية وضربا من المعرفة، ورغم أن البعض جعل حدود المجالين مستباحة وقابلة للاختراق في الاتجاهين معا، فإن هناك حدودا عقلية بينهما؛ لأن الناقد ملزم بتحويل معرفته الأدبية إلى مفاهيم مندرجة في سياقات قابلة لأن تصير معرفة، في حين نجد أن هذا الأمر ليس ضروريا في العملية الإبداعية الأدبية؛ باعتبار هذه الأخيرة خلقا فنيا، غير أن السؤال المطروح هو: هل من الممكن دراسة الأثر الأدبي باعتبار هذا الأخير عملا فنيا إمتاعيا ؟ وهل هو قابل للدراسة أصلا ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو المنهج القادر على معالجة هذا الفن؟
يرى "ويليك" أن مناهج الدراسات الأدبية وإن اختلفت عن مناهج الدراسات العلمية الطبيعية في الموضوع والوسائل والغايات فإنها تظل متشبتة بروح العقل وسباقة إلى إنتاج المعرفة العقلية بقرون حتى قبل حدوث التطور العلمي الحديث، وما على الدراسات الأدبية إلا إحيائها وتجديدها، غير أن الشروع في الدراسة الأدبية يصطدم منذ البداية بكونها تتخذ التفرد في الأثر الأدبي موضوعا للعلم، وبالتالي فكل دراسة تتغيا الكشف عن  مميزات وخصائص العمل الأدبي لا بد أن تنصرف إلى إبراز مميزات التفرد، وهو ما يُصعب عمل دارسي الأدب، ويقوض فرص نجاحهم.
ولتجاوز إشكالية التفرد ضمن المشترك، رأى أن الأثر الأدبي شبيه بالإنسان في اشتراكه مع بني جنسه في مجموعة من الصفات وبتفرده في مجموعة أخرى؛ فالأدب يشترك مع باقي الفنون في صفات عامة، ويتفرد بخصوصيات، وتشخيص هذا التفرد وهذه الخصوصيات هو الغاية من كل دراسة أدبية، وآلة البحث فيها هي ما سماه  بـ"نظرية الأدب".
حاول "ويليك" في نظريته هذه تحديد موضوع الأدب أولا؛ فوقف على الدراسات التاريخية التي حددته في النصوص، وانتقل إلى التي رأته في النصوص الثاوية في متون أمهات الكتب الفلسفية والدينية وغيرها، بعد ذلك انتقل إلى التي ربطت موضوعه بالخيال والتخييل، ثم إلى التي ركزت على لغته وأهميتها في عزل اللغة الأدبية عن العلمية واليومية بما يتوفر في الأولى من أشكال التعبير، ونبه إلى ما اعتور هذه الدراسات من صعوبات في تمييز الأدب عما ليس أدبا، وأرجع عوَرها إلى تجزيئها للظاهرة الأدبية، هذه الأخيرة  تشكل كلا مركبا متعدد المستويات والارتباطات، يتطلب دراستها أخذها كلا متكاملا.
 ولما كانت طبيعة الأدب ووظائفه مقترنة؛ بحيث لا يمكن التفريق بينها، فمن البديهي أن يساعد ذلك على تحديد ماهيته، هذه الوظائف توزعت بين المراحل التاريخية، والأماكن الجغرافية، والبيئات اللغوية بالقدر الذي توزع به تعريف الأدب، غير أن "ويليك" يميل إلى تحديد تلك الوظائف في وفاء الأدب لطبيعته.
نستطيع القول الآن إنه لما أمكن حصر موضوع الدراسة الأدبية وتحديده  صار من الجائز الانتقال إلى دراسته دراسة منطقية انطلاقا مما سماه "نظرية الأدب"، غير أن هذه الأخيرة يتعالق مفهومها مع "نظرية النقد" و"تاريخ الأدب"، فكان لا بد من توضيح الحدود بينها؛ فالنظرية النقدية تنظر إلى الأعمال الأدبية في تسلسل زمني تنفصل مراحلها وأحداثها، أما "نظرية الأدب" فهي  تدرس الأدب من حيث أسسه وقواعده وموازناته وأقسامه مركبا وفي تسلسل زمني، غير أن "ويليك" أدرك تداخل الحقول الثلاثة تنظيرا وتطبيقا، وأدرك عدم قدرة أي فرع على الاستغناء عن الفرعين الآخرين، فأحكام الناقد مثلا تظل مضللة ما لم تستند إلى "تاريخ الأدب" الذي يوضح العلاقات التاريخية بين الأصيل من النصوص والمشتقة.
لقد أبرز "ويليك" الفروق بين "النظرية" و"التاريخ" و"النقد" في الأدب وأدرك تعالقها، وحاجة بعضها للبعض الآخر مما جعله يدعو إلى التعاون فيما بينها، ولما كانت النظرية تتعلق بدراسة الأثر الأدبي فإن "ويليك" لم يهمل جانبها الإجرائي وأفرد موضوعات كثيرة لها مُرتبة ترتيبا متسلسلا يبتدئ بترتيب الأدلة والتحقق منها؛ فدراسة الأدب لا يمكن أن تتم قبل جمع المادة والتحقق من صحتها منطوقة كانت أو مكتوبة، ثم بناء شجرة نسبها في سلاسل متتابعة لتحديد الأصل والمشتق منها وإثباتها لأصحابها، كما بين المداخل الخارجية لدراسته وحددها في موطنه وبيئته وظروفه التاريخية والاجتماعية والنفسية والفكرية والفنية والفلسفية كيفما كان العمل قديما أو حديثا، غير أن ما يميز هذه المداخل الخارجية كونها ذات طابع تعليلي وسببي مما يجعل روادها يقعون في الحتمية التاريخية.  وما ميز "ويليك" كذلك اهتمامه بدراسة الأدب من الداخل، فتلك الأعمال في نظره هي التي تبرر اهتمام الناقد بالكاتب وبيئته والعملية الإبداعية، وانتقد كثيرا الانشغال بالمداخل الخارجية الذي صاحب نشوء الحركة الرومانسية بأوربا، والتي تحولت إلى الاهتمام بالجوانب الخارجية والتاريخية تبريرا للقيم الجديدة المنسوبة للأدب القديم، ومحاكاة لأساليب العلوم الطبيعية، غير أن ذلك ما لبث أن انقضى تاركا المجال أمام ظهور نظريات جديدة تدعو لدراسة العمل الفني من الداخل كمنهج تفسير النص بفرنسا، والتحليلات الشكلية بألمانيا وحركة الشكلانيين الروس والتشيك والبولونيين، وقد اعترض الشكلانيون على الفصل بين الشكل والمضمون، غير أن هذا التصور أصيب بنوع من الغموض لما كان صعبا للغاية؛ لأن اللغة في حد ذاتها جزء من الشكل، وينبغي أن نميز فيها بين الكلمات ذوات التأثير الجمالي والكلمات التي بلا تأثير جمالي،  وهو ما يضرب في العمق كينونة العمل الفني؛ من حيث إمكانية وجوده خارج النص المطبوع، أو اختلاف النبر والإيقاع أثناء تلقيها شفويا في فترات مختلفة ولو كان ذلك من نفس الشاعر.
ويرى أن الرخامة والإيقاع والوزن هي مكونات المستوى الصوتي المؤسس للتأثير الجمالي، ويمكن دراسة العمل الأدبي انطلاقا منها، ولا يتم ذلك إلا بالتفريق بين الأداء والنسق الصوتي؛ فالقراءة أداء وتحقيق للنسق الصوتي قد يُضيف وقد يُنقص، وبالتالي فدراسة الإيقاع والوزن بناء على الإنشادات الفردية،  وتحليل الصوت بمعزل عن المعنى فرضيتان خاطئتان.
كما يمكن دراسة الأدب من الأسلوب وبعلم الأسلوب؛ فكل عمل أدبي هو اختيار وانزياح تاريخي لمستويات اللغة، ودراسة اللغة وتطوراتها تفيد في فهمها، ولما كان الأدب متصلا بها فهو اختيار من نظامها الصوتي، هذا الأخير لا يمكن عزله عن المعنى. وعلم الأساليب يفيد في مقارنة النظام اللغوي للعمل الأدبي  واستخدام اللغة الدارجي، ودراسة هذا يوضح مدى أدبية النصوص.
ويمكن دراسته أيضا من خلال الصورة والمجاز والرمز والأسطورة؛ فالوزن والمجاز هما المبدآن المنظمان للعملية الإبداعية، وبالتالي فدراسة النصوص تنطلق من دراستهما، ومن الملاحظ أن هذه الكلمات الأربع متداخلة دلاليا، ومهمة للعملية الشعرية؛ من حيث قدرتها على ربط الشعرية بالجمالية وفصلها عن الفلسفة والعلم؛ فالشعر نسق  مُميَّز عن العلم والفلسفة بنسقه اللغوي وصوره الفنية التي تعتمد الاسترجاع الذهني، وتعبر عن الأحاسيس والإدراك ونفس الشيء يحصل في الرمز والأسطورة لما في هذه العناصر من القدرة على الخلق الفني، وينتقد "ويليك" اعتبار العناصر الأربع محسنات بلاغية قابلة للفصل عن المضمون كما هو معمول به في الدراسات القديمة، وعلى النقيض من ذلك فإن هذه العناصر تشكل معنى الأدب وتحدد وظيفته.
لقد أتينا على الجوانب المتعلقة بدراسة الأدب من مداخل خارجية وداخلية، ورأينا أن "ويليك" هاجم اعتماد المداخل الخارجية في النظرية الأدبية داعيا إلى دراسة النصوص من الداخل، غير أننا نجده يميز بين دراسة النصوص الشعرية ودراسة النصوص النثرية كالقصة، ويَعتبر الأولى أعلى شأنا من الثانية" القصة"، هذه الأخيرة تعتبر وريثة الملحمة وأعلى مراتب القول الأدبي النثري؛ لما تحققه من التسلية والمتعة على الرغم مما أثير حولها من الاتهام بالمخادعة والوهم نتيجة ترسبات المراحل التاريخية السابقة، ويرى "ويليك" أن الفن الروائي يرتبط بالحياة أشد ارتباط فهو يقدم النماذج الاجتماعية كقيمة جمالية فنية وكقيمة اجتماعية تعكس واقع الحياة، وتجعله مشهدا للتأمل داخل مجتمع ما، ومن نماذج ذلك نذكر "البخيل" في مسرحية "موليير" و"بلزاك".
إن القصة عمل فني يجب النظر إليه ككل مرتبط، يقدم صورة الحياة، ودراستها تستدعي تمييز الحبكة والأشخاص والأحداث، غير أنها تختلف عن العمل المسرحي في الخلفية المكانية التي تعتمد الوصف المعبر عن الإرادة الإنسانية والذي يسمح بالنفاذ إلى عمق الشخصيات؛ كوصف أثاث منزل البخيل "Grandet" لـ"بلزاك"، فإذا كان الوصف طبيعيا مثل الإرادة الإنسانية فإنه يشكل عاملا ضخما ومتحكما في الأحداث الروائية، هذا يقابله اعتماد عنصر الحكاية في العمل المسرحي، غير أن هذا التمييز ارتبط في واقع الحال باختلاف العصور الثقافية؛ فالاهتمام بالخلفية المكانية يختلف من عصر إلى آخر؛ فتجده بارزا في عصر الرومانتيكية والواقعية، ولا يرتبط بكل العصور، وقد تُقدم الخلفية المكانية في المسرح أكثر في بعض المسرحيات الدرامية، وأشار "ويليك" إلى أشكال أخرى من الرواية كالقصة القصيرة وطبيعة الأحداث وتركيبها وطريقة روايتها؛ من حيث طبيعة حضور الضمائر. ومن أفانين القول الروائي التي يمكن دراسة الرواية انطلاقا منها : الخبرة المعيشة، الأسلوب المباشر وغير المباشر Style indirect et direct ، المونولوغ الداخلي الذي يقدم الشخصيات للقارئ بدون شرح، وهو أقرب المنافذ إلى شخصيات الحدث الروائي وعالمها اللاشعوري.
لم يغفل "ويليك" في نظريته للأدب الحديث عن الأجناس الأدبية، فالكاتب ملزم بالنظر فيها وتحديد حدود كل جنس، ونظرية الأنواع أو الأجناس الأدبية هي مبدأ تنظيمي وتصنيفي للأدب وتاريخه لا على أساس الزمان والمكان ولكن على أساس الأنماط من حيث البناء والتنظيم، فتصنيف العمل الأدبي يقتضي الرجوع إلى الخبرة والفهم وصفا وتقعيدا، غير أن الناقد يصطدم ببعض العراقيل في هذا المضمار كعدم وضوح الحدود الأدبية بين جنسين أدبيين؛ فقصيدة Spenser " الملكة الجنية"  Fairy Queene أثارت جدلا بين من صنفها ملحمة ومن رفض ذلك كـ ميلتون؛ لأنها كُتبت في عصر لم تفترق فيه الملحمة عن الرومانس بعد، ولا يكتفي العمل النقدي في التصنيف باعتماد ما سبق من التصنيفات بل يمكن إضافة تصنيفات جديدة، ويقوم مفهوم الجنس عند "ويليك" على مبادئ منها الشكل من حيث المقاطع مثلا في الشعر الهوديبراستي، أو الجمال، غير أنه يجب الحذر من الخلط بين النظرية الكلاسيكية ذات الطبيعة التنظيمية والإرشادية والاجتماعية التي تفرق بين جنس وآخر بحسب موضوعات الفقراء، أو الملوك مثلا، أو الأدب الهزلي والساخر للعامة إلى غير ذلك، والنظرية الحديثة التي تعتمد القيمة وطبيعة العمل والوصفية والذوق، كل ذلك من أجل مبدأ نقاء الجنس الأدبي.
ويرى أن إخضاع  قضية الأجناس الأدبية للتطور كما فعل "برونتيير" أضر بها لما تؤشر عليه من التناظر بين الجمهور والكتاب، ومسألة تطور الأجناس الأدبية هي من موضوعات تاريخ الأدب، وتاريخ الأدب في حاجة إلى فلسفة للتاريخ، وإلا لكان موضوعه سردا للأحداث فقط، إن موضوع الأجناس الأدبية يشير إلى مسائل رئيسية في تاريخ الأدب والنقد الأدبي، إنه يضع في إطار أدبي محدد الأسئلة الفلسفية التي تتناول العلاقة بين النوع والوحدات التي تكونه.
ولم يغفل في نظريته مسألة التقويم والحكم على النصوص وتقديرها، ويرى أن التقويم يرتبط بوظيفة الأدب في المجتمع وماهيته، ولم يحصل الاتفاق حول تلك المعايير الموزعة بين الجمالية والتفرد والمحاكاة والشكلية والمفاجأة، والتمييز الذي يقدمه هو ذلك الذي يكون بين الحكم الصريح والحكم الضمني، والذي يختلف عن التمييز بين الحكم الواعي والعفوي، وهناك الحكم الوجداني والحكم المبني على الحجة والمنطق، وليس هناك تناقض  بالضرورة بينهما.
كما تحدث عن تاريخ الأدب وأفرد له فصلا خاصا ليستكمل الثالوث المؤسس للدراسة الأدبية، وتساءل عن إمكانية كتابة مادة أدبية وتاريخية في آن واحد، ورأى أن تاريخ الأدب يتداخل في التاريخ الاجتماعي وتاريخ الفكر والأحكام الانطباعية المرتبة زمنيا، وتختلف صورة الأدب وصورة معالجته حسب كل زاوية من هذه الزوايا، غير أن ما أنتج من أفكار حول "تاريخ الأدب" في هذا المضمار لا يعدو أن يكون مقالات غير مطردة عن الكُتاب تحاول الربط بينهم، ولا تفهم حقيقة التطور التاريخي للأدب، فمعظم ما كتب في "تاريخ الأدب" هو تواريخ للحضارة، أو مقالات تميل أكثر للعرض والنقد أكثر من التاريخ؛ ومن بينها" التاريخ المختصر للأدب الإنجليزي الجديث" لإدموند جوس، ورأى أن ما يعرقل عمل مؤرخ الأدب هو ضعف التنظيم والاتساق، وافتقار النظرية الأدبية إلى المناهج القادرة على وصف العمل الفني، وارتباط عمل المؤرخ بالتعليل، وهو ما يحتم على التاريخ الأدبي النظر إلى الأدب من الداخل لا من الخارج.
إن تاريخ الأدب يجب أن يكون كَفن قائم على العلاقات الأدبية بين الكتاب والنصوص وفي معزل عن التاريخ الاجتماعي وسِيَر الكتاب الخاصة، وحل هذه القضية يرتبط بالوعي بكون تاريخ تطور الأدب قائما على تحليل تلك العلاقات وتحديد الشبه والتناظر الحاصل بينها، وهذا الأمر يحتاج إلى معرفة ضليعة بالأدب، إن موضوع تاريخ الأدب يطرح الكثير من القضايا خاصة قضية الأجناس وما يتعلق بالتقسيم السياسي والاجتماعي للعصور الأدبية، مما يجعل الأدب خاضعا للمؤرخين والسياسيين، من هنا كان لازما النظر إلى الأدب بما هو أدب، وكتابته يتطلب الرجوع إلى مخطط متغير القيم، وهذا المخطط يُستقى من التاريخ نفسه، إن تاريخ الأدب مملوء بالإشكاليات غير أن له مستقبلا كما كان له ماض، وتطوير مناهج الدراسات الأدبية كفيل بإزالة العديد من العوائق التي تعيق دراسة الأدب.
هذا موجز من "نظرية الأدب" عند رونيه ويليك وأوستن وارن، حاولت فيه الإتيان على أهم مكوناتها مسندا العمل لويليك فقط اختصارا ، لأن العمل يعنيهما معا، كما يعني كل متوجه لدراسة الآداب.


 




رونيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، عدد فبراير 1987، الكويت. *