الأحد، 15 فبراير 2015

الترجمة والتأويل ولسانيات النص.

السعيد رشدي 
حققت الترجمة تطورا كبيرا بفضل ملازمتها الطويلة لتحولات الدراسات اللغوية وظهور لسانيات النص، هذه الملازمة أدت إلى تبادل فوائد كثيرة،  فراكمت عُدّة معرفية مهمة؛ موضوعا، ومنهجا، واصطلاحا، كما اكتسبت نقلة علمية قوية مكنتها من نقل الأفكار مجردة من لغتها الأم إلى أخرى بأقصى شروط الدقة والمطابقة والأمانة والوفاء. إن الترجمة علم موضوعه اللغة والنص، إنها قراءة وفهم وتأويل، فهي بذلك علم ينظر في كل الآليات التي تمكن المترجم من الترجمة بشروط منهجية خاصة؛ من هذه الشروط ما يقوم على المنهج في القراءة والفهم والتأويل، ومنها ما يقوم على شخص المترجم، ومنها ما يقوم على طبيعة النص. ولا يتم فعل الترجمة إلا بعد إدراك المترجم لمقصد الكاتب وإعطائه تأويلا، وإذا كان التأويل شكلا من أشكال الفهم، فإنه عملية ذهنية محورها المترجم بما له من قدرات علمية وإدراكية ولغوية وإبداعية. فما هو التأويل في الترجمة؟ وكيف يصير المترجم مؤولا؟ وما هي الضوابط النصية التي تحكم هذه العملية؟
                                    I.            مفهوم التأويل
يتأسس التأويل على الفهم، وهو عملية يقوم بها المؤول للكشف عن الدلالة الأصلية المتوارية خلف المكتوب المراد معالجته[1]، هذه العملية لا تتم إلا بـ " إعادة بناء المعنى وما يرتبط بذلك من إجراءات فك رموز الخطاب التي يلجأ إليها المخاطب"[2]، إن عملية التأويل عملية معقدة، تتدخل فيها عوامل عدة؛ موضوعية، وذاتية، وزمنية تاريخية، وإذا كان التأويل يتأسس على الفهم كما سبق أن قلنا، فإن الفهم يتأسس على دلالة النص في إطار كلي بعد أن يدخل في علاقات مع دلالات أجزائه، وعلى ضوء معناه الكلي تتخذ تلك الأجزاء وظائفها التوضيحية.
 بالإضافة إلى هذا البعد، تحيط بالتأويل أبعاد أخرى منها ذاتية المؤول؛  فتأويل النص المترجَم وإن تم إدراك معناه الكلي ومعانيه الجزئية الموضحة له، فإنه يحيل على اتصال بين ذاتين؛ ذات مؤلفة وذات مترجمة، ومسألة الذاتية هذه معروفة في العلوم الإنسانية والأدب، هذه العلاقة بين الذوات والنصوص منفتحة على الاختلاف، من هنا يصير التأويل الوسيلة الأولى لرأب الفرق وإحلال الاتفاق بينها وبين النصين المختلفين اللذين يلفان المعنى والقصد الواحد، إن تقليص الفوارق بين المقاصد الناتجة عن تعدد الذوات هو الهدف من التأويل، فيكون هذا الأخير بذلك الحلقة الأكثر أهمية في تشكيل المعنى المقصود والذي يسعى لتحقيقه المؤلف الأصلي، والذي يسعى المترجم لتحويله عبر الترجمة إلى نص مكافئ. بعد عاملي الكل في علاقته بأجزائه والذاتية في علاقتها بالموضوعية، ستقف عند العامل الزمني التاريخي.
 كل عملية تأويل تنطلق من تفكير المؤوِّل المترجِم للأفكار المتصورة مسبقا من طرف منشئ النص الأصلي، ومشروعية عمل المترجم تقوم على البحث عن هذا القصد وقيمته وأصله، وعلى هذه العملية يتأصل الفهم والتأويل السليمان والقادران على إنشاء النص المعادل معنى ومقصدا وجمالية، إن استعمالات اللغة وآليات كتابة النص والظروف المحيطة بالمؤلف زمن التأليف هي غيرها التي تحيط بزمن الفهم والتأويل والترجمة، من هنا فإن الوعي بالنصوص المختلفة من حيث زمن النشأة وزمن الترجمة يتطلب وعيا تاريخيا بالنص الأصل، كما تتطلب هذه المفارقة الزمنية استحضار الافتراضات الراهنة لزمن الترجمة.
يظهر إذن أن التأويل يتأسس على الفهم المؤطَّر بهذه العوامل الثلاثة؛ أي دلالة الكل في علاقته بدلالة الأجزاء على ضوء التفاعلات والعلاقات الحاصلة بين المكونين، ثم التأويل في علاقته باختلاف الذوات ودوره في رأب الفوارق والاختلاف وتأسيس المعنى، ثم تأصيل فهم النص على ضوء ظروف تكونه التاريخية، والمراحل التي مر منها، وتهييئ الافتراضات التي من شأنها النظر إليه بما نعرفه منه لحظة قراءته وترجمته لا بما نعرفه منه لحظة كتابته.
                                 II.            المترجم مؤولا
 كل مترجم هو مؤول بامتياز، فاتخاذ القرار واختيار الفهم والمعنى المقصودين من طرف مؤلف النص الأصل يعتبر أهم ما يكشف عن إبداعيته وفنيته، والمترجم لا يتم له ذلك إلا في ظل تحقق مجموعة من الشروط؛ من بينها الإلمام باللغتين والثقافتين المترجم منها والمترجم إليها، وهذا يتطلب ثقافة واسعة، ووحده ذلك يجعله قادرا على ممارسة فن التأويل، هذا الأخير هو الكفيل بنقل الأفكار من لغة إلى أخرى بعيدا عن الترجمة الحرفية أو تخمين المقاصد والتكهن بها، ومن الضروري للمترجم حال الترجمة أن يتقيد بمدلول العبارت المكتوبة وتجنب التفسير؛ إذ هذا الأخير هو مقدمة فقط لممارسة التأويل، إن ممارسة التأويل اختيار وقرار لا بد منه للمترجم إذا أراد أن يجعل من عمله إبداعا ومن نفسه فنانا حذقا ذا مهارات لا تقل أهمية عن باقي الفنانين.
إن كون المترجم مؤولا هو إحالة أيضا لعمله على التقاليد العلمية المتأصلة في التعامل مع النصوص المختلفة لغة أو الغامضة معنى، هذه الإحالة تجعل عمله منضبطا وخاضعا للقوانين والقواعد المنهجية الصارمة والضاربة في التاريخ، هذه القواعد ليست وليدة اليوم بل امتدت تاريخيا إلى بدايات التعامل مع النصوص الدينية في المسيحية؛ لما ترجم "الإنجيل" إلى اللغات الأوربية، وما نتج عن ذلك  من تطوير المناهج وظهور الهيرمنوطيقا.
ولم يرتبط التأويل في الترجمة بالبيئة الأوربية فقط بل كان حاضرا وبقوة أيضا في البيئة الإسلامية؛ سواء في فضاء الترجمة العربية التي حدثت في بيت الحكمة على عهد المأمون، أو في فضاء النص القرآني بما حمله "القرآن الكريم" من نصوص متشابهة. وعلى كل حال، فإن المترجم لا تأتيه الترجمة طوعا ولا كرها ما لم يتملك ناصية القراءة الثاقبة والفهم السليم والقدرة على ممارسة التأويل واتخاذ القرار.
                             III.            الترجمة والتأويل و النصية  
كان القدماء ينظرون إلى الترجمة عموما على أساس أنها عملية مطابقة بين الكلمات أو العبارات الأجنبية بما يعادلها في لغة أخرى، غير أن هذا الوضع تغير مع تقدم الدراسات اللغوية خاصة المقارنة التي أتت على الاختلافات البنيوية بين اللغات، فأدركوا أن هذه الاختلافات تحد من عمليات نقل المعنى. أما من حيث النصوص، فقد أدرك اللغويون القدماء خاصة العرب صعوبة نقل النصوص الأدبية، يقول الجاحظ:" والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه وسقط موضع التعجب... والكلام المنثور المبتدأ على ذلك أحسن وأوقع من المنثور الذي تحول من موزون الشعر... وقد نقلت كتب الهند، وترجمت حكم اليونان، وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا، وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حولت حكمة العرب، لبطل ذلك المُعجز الذي هو الوزن، مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم"[3]، فيظهر من هذا النص الوعي الكبير الحاصل بتأثير طبيعة النص في الترجمة والتأويل.
  ولقد أدى تطور الدراسات اللسانية وانتقالها من الجملة إلى النص إلى تغير في المناهج، فالتعامل مع النص كبنية دالة وذات معنى واحد كلي يسمح بالنظر إليه لا بما يتحقق من مجموع جمله من المعاني ولكن بالنظر إلى ما يحققه معناه الكلي الذي يتعدى معاني مجموع جمله، هذه القفزة لم تكن لتتحقق لو لم تظهر الدراسات النصية على يد دوبوغراند وفان ديك وغيرهما، وأهميتها العلمية ،بالنسبة للمترجم، تكمن في جعله يدرك أهمية السيطرة على النص شكلا ومضمونا وتطويعه بما يجعله قادرا على إعادة إنتاج نص معادل في النصية؛ اتساقا وانسجاما. فيظهر من هذا أن هناك علاقة بين نصية نص المؤلف ونصية النص المترجم، علاقة تقوم على عدم قدرة أي منهما على الاستغناء عن الآخر؛ فالمترجم لا يستطيع نقل المعنى من لغة إلى أخرى وبنفس الشروط السابقة إلا إذا مر عبر القواعد والآليات التي تتحقق بها نصية النصوص تأليفا على المستوى العميق والسطحي، خاصة ما ارتبط بالمعنى والسياق وظروف نشأة الخطاب والأثر في المتلقي، وبالتالي فالمترجم، وهو يقوم بالترجمة، يسلك في عمله نفس مسار التأليف، ولا يستقيم أي تأويل ما لم تراعى تلك الأبعاد.
 هذا الاستعمال لمفاهيم اللسانيات واللسانيات النصية من حيث المنهج هو ضرورة أساسية في المناهج الحديثة للترجمة، دفعها إلى ذلك حاجتها إلى منهج علمي يؤدي إلى تأصيل المعنى، والتحكم في النص وإخضاعه والخروج من سلطته.
إن المترجم، وهو يقوم بعمله، لا يسعه إلا البحث عما يمكنه من النص، وضالته في ذلك تكمن في ما توفره لسانيات النص من آليتي الحبك والسبك تأليفا؛ فالحبك ينصرف إلى ما يحقق نصية النص على المستوى العميق، والسبك ينصرف إلى ما يحقق نصية النص على المستوى السطحي، اكتشاف هاتين الآليتين منح للمترجم مساحة مهمة للتأويل وإمكانياته باعتبار الوساطة التي يؤديها بين كاتب النص الأم وقارئ النص المترجم، فكل علاقة تواصلية بين هذين الطرفين لا تتم إلا عبره بما يوفره المترجم من فهم وتأويل للنص الأول.
 تساعد لسانيات النص على التأويل، فهي علم مؤهل منهجا وموضوعا واصطلاحا لوصف الآليات التي تتشكل بها نصية النصوص شكلا ومضمونا، ومن تلك الآليات تلقيا؛ مفهوما الاتساق والانسجام:
ü          مفهوم الاتساق: يتأسس على الآليات التي تحقق النصية في النص الأصلي على المستوى الخارجي، ويتم ذلك بالعناصر النحوية؛ كالضمائر والإحالات والتكرار والعطف.
ü          مفهوم الانسجام: يتأسس على الترابط المعنوي والدلالي الداخلي.
 فالنظر في هذين المستويين يمكنان المترجم من فهم المعنى وتأويله بما يفيده في البحث عن المعادِلات المناسبة والممكنة التي تقدمها اللغة الهدف، فيتم نقل تلك المعادلات؛ بشكل يضمن أكبر قدر من المطابقة الشكلية التركيبية والدلالية وهو ما يضمن نفس الأثر على المتلقي، وهذا يقتضي إدخال البعدين النفسي والاجتماعي في النقل، ومن المستحيل الوصول بالترجمة إلى هذا المستوى بغير الإبداعية في التأويل، فالتأويل يتحدد لدى المترجم بمدى قدرته على الوصول إلى آليات الاتساق والانسجام وسياق الموقف وإعادة بناء النص وفق  نفس الآليات.
 إن العملية التأويلية في الترجمة تؤطرها نصية النصوص الأصلية أو الناشئة بالترجمة، وكل انحراف عن هذه الضوابط سيوازيه انحراف آخر في الترجمة بما لا يخدم المطابقة والوفاء والتكافؤ الشكلي والمعنوي المفترض. 
المصادر والمراجع:  
1: هانز غادامير، فاسفة التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، ط 2 نشر 2006،  الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، الجزائر.
2: ربيعة العربي، في تصور الخطاب، آليات الإنتاج والتأويل، مؤتمر لسانيات النص وتحليل الخطاب، جامعة ابن زهر أكادير، ط1، 2013دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الأردن.
3: الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، م 1، ط 3، 1965، مصر.






[1]: هانس غادامير، فاسفة التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، ط 2 نشر 2006،  الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، الجزائر، ص 34.
[2]  : ربيعة العربي، في تصور الخطاب، آليات الإنتاج والتأويل، مؤتمر لسانيات النص وتحليل الخطاب، جامعة ابن زهر أكادير، ط1، 2013دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الأردن، 104.
[3]: الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، م 1، ط 3، 1965، مصر، ص: 74-75.

الجمعة، 9 يناير 2015

لسانيات النص وأرضية التأسيس، قديما وحديثا.

 السعيد رشدي 
شهد القرن العشرون ثورة في الدراسات اللغوية؛ إذ تعاقبت النظريات العلمية وتباينت اتجاهاتها، غير أن هذا التعاقب والتباين والتعدد لم يحدث من فراغ؛ فتاريخ العلم والأفكار يشهدان أن كل النظريات العلمية تخرج من رحم التراكمات المعرفية والعلمية السابقة، في هذا السياق التاريخي أتت ولادة لسانيات النص من رحم اللسانيات لتكون جوابا عن أسئلة أخرى تم إغفالها في اللسانيات الجملية، فما هي الأرضية التاريخية التي أدت إلى تأسيسها في الغرب؟ وكيف انتقلت إلى الدراسات اللغوية العربية؟ وكيف تم تلقيها في البيئة العربية بالنظر للتراكمات المعرفية التي أنتجها الدرس اللغوي التراثي العربي؛ نحوا وبلاغة ونقدا ؟
                             I.            لسانيات النص في الغرب، عودة إلى الجذور الأولى:   
يشكل التركيب الاصطلاحي الإضافي "لسانيات النص" مدخلا لتناول أصول هذا العلم المضاف إلى اللسانيات والمنسوب إليها وجوديا، وتأسيس اللسانيات كما هو معروف يرجع لدوسوسير (1857-1913)، غير أن تشكلات هذا العلم بدوره يرجع إلى ما كان من ممارسات تنظيرية قديمة تميزت في عمومياتها بالاشتغال بالنحو أساسا في اللغتين اللاتينية والجرمانية على السواء، ومن أقدم الدراسات التي وصلت في هذا الإطار دراسات دانتي[1] (1265-1321)، وما ميزها هو اشتغالها بالجانب التاريخي، ثم تطور الدرس النحوي ليظهر علم الفيلولوجيا أي فقه اللغة، وعلى ضوءه تم اكتشاف التقارب بين السنسكرتية واللغات الجرمانية واليونانية واللاتينية، ثم بعده فقه اللغة المقارن، والذي غلب على هذه الدراسات جملة هو تاريخيتها، وفي القرن التاسع عشر حدث تطور كبير  بالانتقال مما هو تاريخي إلى ما هو وصفي، غير أن هذه الدراسات لم تستطع رسم حدود علم اللغة،  كما لم تستطع صياغة شروط ممارسته منهجيا بالشكل الذي تقتضيه الدراسة العلمية بمفهوم العلوم الحقة، إلى أن أتت محاولة "دوسوسير"؛ حيث حُدد موضوعها في دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، انطلاقا من صياغتها بواسطة ما سماه  بـ"وجهة نظر"، أما من ناحية المنهج فهذا الموضوع اقتضى منه تحديد المدونة الكلامية التي يرام الاشتغال بها corpus كموضوع،  محددا مجموعة من الآليات المنهجية؛ كالمنهجين التعاقبي والتزامني... إلخ، واستمرت الدراسات اللسانية بعد هذه المرحلة في سياقات أخرى على ضوء ما لوحظ على اللسانيات البنيوية من انشغالها بالجملة الأدبية الراقية وإهمالها للمدونة الكلامية العامية والنصوص، وهو ما تنبه له تلميذه "بالي" في فرنسا و"يلمسليف" في "كوبنهاكن" و"هاريس" في الولايات المتحدة، منبهين إلى أهمية الاهتمام بلسانيات النص في مقابل لسانيات اللسان، لقد شكلت هذه الآراء أولى الوشائج التي شكلت المرحلة الأولى.
المرحلة الأولى[2]: بدأت مع هاريس وسعت لتجسير العلاقة بين اللسانيات البنيوية ولسانيات النص، تُوجت هذه الفترة بمؤلف "هاريس" تحت عنوان "تحليل الخطاب" "Discourse Analysis" سنة 1952، اهتم فيه بالعناصر التي تحقق نصية النص والروابط والسياق الاجتماعي، غير أن هذه الدراسات والآراء لم تستطع وضع أسس وقواعد لهذا الاتجاه الجديد في اللسانيات، وهو ما حتم انتظار مرحلة ثانية.
المرحلة الثانية: ابتدأت بدراسات جديدة من أهمها إصداران مهمان كان أولهما مع "هايدولف" في ألمانيا وثانيهما "هاليداي ورقية حسن" بكتابهما " the Cohesion in English " في بريطانيا، ومن مميزات هذه المرحلة اعتبار النص متتالية من الجمل، وهو ما سيفسح الأفق لاستغلال اللسانيات البنيوية الخاصة بالجملة خاصة النظرية التحويلية التوليدية لتشومسكي، وأهم هذه القواعد ثنائيات القدرة والإنجاز، البنيتان العميقة والسطحية... إلخ،  وفي هذه المرحلة كذلك تم وضع جملة من القواعد الإجرائية التي تمكن من دراسة النصوص، غير أن اعتماد النظرية التوليدية التحويلية سرعان ما أظهر عجزا في تحليل النصوص، والسبب في ذلك إقصاء اللسانيات الجملية للجانب الدلالي والمعجمي والتواصلي واهتمامها فقط بالجانب التركيبي وآليات توليد الجمل للوصول إلى الملكة اللغوية، وهو ما حتم الدخول في مرحلة ثالثة.
المرحلة الثالثة: بدأت مع مطلع السبعينات، اتجه فيها البحث نحو نظريات بديلة، وأبرز علمائها: "دريسلر" و"دوبوكراند" و"فان ديك"، انفتحت في هذه المرحلة لسانيات النص على الدراسات الأدبية والعلوم الإنسانية مستغلة ما تراكم من الدراسات اللسانية التوليدية والخطابية.
لقد شكلت هذه المراحل البدايات الحقيقية لتشكل لسانيات النص، غير أن البحث في هذا الموضوع مازال في بداياته، ولم يستقل تماما عن لسانيات الجملة بل ظل تابعا لها؛ فلسانيات الجملة مازالت نواة له ومصطلحاته ومنهجيته مازالت مرتبطة بها، وبالإضافة إلى هذه الإشكاليات هناك عقبات إجرائية تتعلق بالنصية في علاقتها بالخطاب؛ فلازالت إشكالية الثنائية خطاب/ نص تلقي بظلالها على هذا العلم، وهو ما يجعله يظهر بمسميات مختلفة؛ تارة بعلم النص وتارة تحليل الخطاب، وتارة بلسانيات النص، ومن مشكلاته أيضا مشكل الصورنة.... في المقابل، تظل اللسانيات النصية منفتحة بموضوعها الذي يشكل مجالا منفلتا عن اللسانيات الجملية، كما ستظل حاضرة بالبعد التداولي والتواصلي والاجتماعي الذي ينبني عليه النص، وهو ما يفتح أفقا كبيرا أمامها خاصة إذا استطاعت  ملء التخوم التي مازالت ننفلت عن اللسانيات الجملية.
                          II.            لسانيات النص في الثقافة العربية    
                من العبث إسقاط أو ربط الفكر اللساني الحديث بالتراث اللغوي العربي القديم، فكل قراءة في هذا الاتجاه تحتمل الكثير من المنزلقات الفكرية والمنهجية، وإن أي محاولة في ذلك يحمل من الخطورة الشيء الكثير ما لم تتم في إطار مشروع علمي له من العدة المعرفية والعلمية ما يجعله قادرا على مواجهة هذا الموضوع، ومن الدراسات في هذه القضية نذكر دراسة أحمد المتوكل في كتابه :" «تأملات في نظرية المعنى في الفكر اللغوي العربي»، غير أن هذا لا يمنعنا من البحث في التراث عما نحن بصدده ليس في سياق اللسانيات ولكن في سياق يقوده السؤال التالي: هل استشعر علماء اللغة العرب القدامى بالظاهرة النصية وهم يشتغلون بالدرس اللغوي نحوا ونقدا وبلاغة؟   الجواب هو: نعم، وقبل تناول هذا الموضوع أود أن أوضح أن مصطلح النص حاضر  في التراث اللغوي بمعناه المعاصر، وارتبط لغويا بمفهوم البروز والظهور والرفع، ومنه سميت المنصة منصة لأنها تبرز ما ومن فيها، كما ارتبط أيضا بمفهوم النسج والنسيج texte بالشكل الموجود في الغرب ونصوص الجاحظ شاهدة على هذا، غير أن أكثر من اهتم بالنصية في الدرس التراثي هم الأصوليون الذين اعتبروا الكلام الإلهي والنبوي نصوصا باعتبار الكتابة، والاشتغال على النصوص القرآنية لغة وبلاغة وتفسيرا أدى إلى ظهور علم التناسب، والواقع أن البحث في هذا الموضوع وإعادة قراءته بالشروط العلمية الحديثة قد يلقي الضوء على الفهم المتقدم لعلماء المسلمين للظاهرة النصية، وأحيل هنا على بعض ما كتب في هذا الموضوع، ومنه: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" للبقاعي، يقول  نقلا عن الزركشي نقلا عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام:" المناسبة علم حسن لكن يُشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع لأسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه"[3] وليس البقاعي المؤلف الوحيد في هذا العلم، بل إن الذين تحدثوا عن علم التناسب كثر منهم الحرالِّي المغربي في كتابه " مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل" والفخر الرازي وغيرهم، أما في الجانب البلاغي فقد شكلت مباحث الفصل والوصل جزءا من البحث في النصية، كما شكل العطف والبدل والتكرار والضمائر والروابط مباحث نحوية تسير في هذا الاتجاه.  وفي الدراسات الحديثة، ظهر البديع  كمجال خصب للاشتغال بالمفاهيم الحديثة للسانيات النص. صحيح، إن التصور القديم في جانب للبديع لم يتجاوز عتبة التحسين، لكن هذا لم يكن ينفي عنه دوره في تحقيق الحبك والسبك في النصوص بالشكل الذي يتم الحديث عنه في لسانيات النص، قضية البديع هذه ودوره في تشكل لحمة النص لم تطفو إلى ساحة البحث إلا مع انتقال المفاهيم الحديثة لعلم النص إلى الساحة الأدبية العربية، خاصة ما جاء من أفكار في كتاب "the cohesion in english  " لهاليداي ورقية حسن في بحثهما لموضوع التماسك خاصة مفهومي السبك والحبك، لقد استفاد البحث العربي من هذه الأبحاث فظهرت مؤلفات كثيرة في المشرق والمغرب، غير أن المغرب كان سباقا وأكثر تميزا بفضل الترجمة من اللغة الفرنسية؛ فأدى ذلك إلى ظهور مؤلفات ذات بعد نظري وتطبيقي منها "لسانيات النص، مدخل لانسجام الخطاب" لمحمد خطابي حاول فيه تأصيل هذا العلم في التراث الإسلامي وتحليل مباحثه، ومن المؤلفات التطبيقية لهذا العلم نجد "تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص" لمحمد مفتاح، وفي المشرق ظهرت مؤلفات مهمة في هذا السياق منها مؤلف سعيد بحيري "علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات"، صلاح فضل "بلاغة الخطاب وعلم النص"، وجميل عبد المجيد "كتاب البديع بين البلاغة واللسانيات النصية" وسعد مصلوح "نحو أجرومية للنص الشعري" وكتاب " من نحو الجملة إلى نحو النص"غيرها.
خاتمة: إن أهم ما يمكن استنتاجه من هذا البحث هو أن أرضية تأسيس علم لسانيات النص لم تكن منفصلة عن علوم اللغة القديمة والحديثة، بل تشكلت بمنطق الترافد انطلاقا من الصلة التي تربطها باللسانيات والنحو والبلاغة، والكثير من المباحث مازالت مشتركة بينها وبين اللسانيات وباقي علوم اللغة، والعلاقة بينها يحكمها منطق التعاون، فاللسانيات النصية تستفيد من الأدوات النحوية والبلاغية كما تستفيد من اللسانيات الجملية.
المصادر والمراجع:
1: البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.
2: ، مؤتمر لسانيات النص وتحليل الخطاب، جامعة ابن زهر أكادير، ط1،  2013 دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الأردن.
3: ر، ه، وربنز، موجز تاريخ علم اللغة،  سلسلة عالم المعرفة،  ترجمة أحمد عوض، عدد نونبر، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1997.






[1]: ر، ه، وربنز، موجز تاريخ علم اللغة، سلسلة عالم المعرفة، ترجمة أحمد عوض، عدد نونبر 1997، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، ص 238.
: رشيد عمران، مسار التحول من لسانيات الجملة إلى لسانيات النص، مؤتمر لسانيات النص وتحليل الخطاب، جامعة ابن زهر أكادير، ط1، 2013دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الأردن، ص379.[2]
: البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، الجزء الأول، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ص 7. [3]

الجمعة، 2 يناير 2015

غريب القرآن، جولة مع القراء في كتاب: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة.

إعداد:  رشدي السعيد
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خير الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم.
وبعد؛
        نزل القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين،  موافق لسنن العرب في كلامهم؛ صريحه ومجمله، حقيقته ومجازه. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم المفسر الأول لما أُجمل منه، والمقيد لما أطلق، والمفصل لما أوجز. ولما كان الموت قضاءَ الله في خلقه، أخذ الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جواره، فانشغل المسلمون بعده بالقرآن الكريم وشؤون الدين والحياة، غير أن تباعد الزمن وظهور قضايا جديدة جعل تلقي لغة ومعاني القرآن دون مستوى الفهم السائد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك سارع الصحابة إلى الاجتهاد في تفسير ما غَرَب عنهم، وأول ما سجل من ذلك مسائلُ نافع بن الأزرق التي دارت حول معاني بعض ألفاظ القرآن الكريم، جاء في مسائل نافع بن الأزرق[1]: «فكان ابن عباس رضي الله عنه يجيب ونافع يسأل؛ وهل تعرف العرب ذلك، ويجيب ابن عباس أما سمعت قول الشاعر[...] فيذكر الشاعر». فكان ذلك أولى بدايات تفسير أغربة القرآن.
ومن الكتب المشهورة بموضوع الغريب في القرآن نجد كتاب "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة.
 يعد هذا الكتاب تتمة لكتاب آخر موسوم بـ "تأويل مشكل القرآن"، وإذا كانت كلمة "الغريب" تختلف في معناها عن "المشكل" فإن عدم اتفاق كتاب "تفسير غريب القرآن"  في الموضوع والمنهج مع "تأويل مشكل القرآن" جعلت الكاتب يعزل "الغريب"، فكان ذلك، رحمه الله، من سننه في التأليف؛ إذ كان يظهر منهجية واضحة في تصنيف المواضيع والإيجاز فيها تخفيفا على القارئ، وتجنبا للملل.
وكتاب "تفسير غريب القرآن" من أوثق كتب تفسير الغريب خصصه المؤلف لتفسير أغربة القرآن؛ أي تلك المفردات التي تباعد عهد تداولها عن ألسنة الناس لأسباب زمنية أو مكانية أو لاختلاف القراءات وغيرها، وقد صنفه المؤلف على ترتيب سور القرآن الكريم، واعتمد فيه على كتب المفسرين وأصحاب اللغة، من دون إسهاب، ومن دون ذكر الإسناد، إلخ.
حقق الكتاب الأستاذ أحمد صقر رحمه الله سنة 1958، وفيها توفي المحقق رحمه الله، ونشر في دار الكتب العلمية ببيروت لبنان بعد هذا التاريخ في طبعات مختلفة آخرها سنة 1978، وهي المعتمدة في هذه الجولة، ويقع في جزء واحد من 588 صفحة، مغلف بورق مقوى من اللون الأحمر الداكن.
 3 قراءة في العنوان
مفهوم التفسير:
 لغة: يقول الألوسي[2]: «التفسير تفعيل من الفسر وهو لغة البيان والكشف ».
واصطلاحا: ويقول كذلك: «علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب».
مفهوم الغريب:
 ذكر ابن منظور في اللسان أن غَرَبَ "من الغروب، أي غيوب الشمس ..."والغَرْبُ الذهاب والتنحي عن الناس، وقد أَغْرَب عنا يغرُبُ غَرْبا ... وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتغريب الزاني سنة... والغَرْبةُ والغَرْبُ النوى والبُعد"[3]
فظهر من التعريفين أن التفسير منهج في الوصول إلى مراد الله من خلال كلامه، والغريب ينصرف إلى الألفاظ البعيدة العهد تداوليا بين زمن الوضع الأول وزمن آخر موال ظهرت فيه، فيحس سامعها في الزمن الموالي، نتيجة لتطور اللغة، بغربتها عن مسمعه، فيكون ذلك حائلا بينه وبين معناها. فكان لابد من شواهد شعرية تسترجع تلك الدلالة، لتكون دليلا عليها.
وتوالى اهتمام المفسرين بأغربة القرآن الكريم، وأفردوا لها تصانيف كثيرة، ومن أشهرها: تصنبف ابن قتيبة الموسوم ب : "تفسير غريب القرآن" .
4- موضوع الكتاب وتقسيماته:
أفرد المؤلف الكتاب لغريب القرآن من دون تأويل مشكله؛ لأنه أفرد لتأويل مشكله مؤلفا آخر. ويتضح تقسيم ابن قتيبة لكتابه، من قوله : " نفتتح كتابنا هذا بذكر أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فنخبر بتأويلهما واشتقاقهما، ونتبع ذلك ألفاظاً كثر تردادها في الكتاب، لم نر بعض السور أولى بـها من بعض ثم نبتدئ في تفسير غريب القرآن"
فظهر أن تقسيمات الكتاب تمت كما يلي:
من ص 1 إلى 5: مقدمة المحقق والمؤلف.
من ص 6 إلى 20: اشتقاق أسماء الله وصفاته.
من ص 21 إلى 37: باب تأويل حروف وردت في الكتاب، ويقصد بالحروف الكلمات الأكثر ورودا في القرآن الكريم.
من ص 38 إلى نهاية الكتاب: خصص للغريب على ترتيب السور القرآنية.
 5 - منهج ابن قتيبة في كتاب تفسير غريب القرآن:
لم يكلفنا ابن قتيبة عناء البحث في منهجه المعتمد في تأليف الكتاب؛ فقد أورد في مقدمته غرضَه ومنهجَه فقال:" وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا أن نختصر ونكمل، وأن نوضح ونجمل، وأن لا تستشهد على اللفظ المبتذل، ولا نكثر الدلالة على الحرف المستعمل، وألا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد. فإنا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث، لاحتجنا إلى أن نأتي بتفسير السلف رحمة الله عليهم بعينه. ولو أتينا بتلك الألفاظ، كان كتابنا كسائر الكتب التي ألفها نقلة الحديث، ولو تكلفنا بعد اقتصاص اختلافهم، وتبيين معانيهم، وفتق جملهم بألفاظنا، وموضع الاختيار من ذلك الاختلاف، وإقامة الدلائل عليه، والإخبار عن العلة فيه؛ لأسهبنا في القول، وأطلنا الكتاب، وقطعنا منه طمع المتحفظ، وباعدناه من بغية المتأدب، وتكلفنا من نقل الحديث ما قد وقيناه وكفيناه". [4]
ومما لوحظ في منهجه في التفسير، تجنبه ما يلي:
- التوجيهات النحوية والقرائية في التفسير:
تجنب ابن قتيبة الغوص في الاختلافات النحوية والقراءات القرآنية في توجيه التفسير، وهذا راجع إلى تعمده اجتناب الغوص في التفصيلات، والأسانيد، غير أن المنهج السني ظهر في اختياراته.
- أساليبه في التفسير:
جنح ابن قتيبة إلى الإيجاز ما أمكن، ودرءا للتطويل كان كثير الإحالة على كتاب تأويل مشكل القرآن، وهو ما يجعل "تفسير غريب القرآن" تابعا له ومفتقرا إليه، كما اعتمد التفسير السياقي، وتجنب الاعتماد على الشرح بالترادف.
6- مصادر ومراجع الكتاب :
يقول ابن قتيبة في مراجع الكتاب:" وكتابنا هذا مستنبط من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذهبهم، ولا تكلفنا في شيء منه بآرائنا غير معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة، وأشبهها بقصة الآية، ونبذنا منكر التأويل، ومنحول التفسير " [5]
والمتصفح للكتاب سيجد أن ابن قتيبة اعتمد على كتب التفسير ومن بينها:
أ - القرآن الكريم: ومن مثال تفسيره للكتاب بالقرآن استشهد بقول الله عز وجل في سورة البقرة : "ذلك الكتاب لا ريب فيه" الآية 2 .[6]
ب- الحديث النبوي: حديث :"فمن قضيت له بشيء، من حق أخيه، فلا يأخذه...[7]
ج - مصادر اللغة
 -المعاجم الشعرية :استشهد في شرحه اللعن ببيت الشماخ الوارد في ديوانه :
ذَعرْتُ به القطا ونَفَيت عنه     مقامَ الذئب كالرجل اللعين [8]
- كتب اللغة: روى عن إبراهيم النخعي والقول ورد في اللسان "كل شيء ليست له نفس سائلة لا ينجس الماء إذا سقط فيه".
د-التفاسير: اعتمد على العديد من التفاسير التي كانت قبله، والمعاصرة له؛ كتفسير أبي عبيدة، و تفسير الطبري، وغيرها.
7- قضايا وملاحظات في تفسير ابن قتيبة:
- اهتم ابن قتيبة كثيرا بتفسير أغربة القرآن بالقرآن في الدرجة الأولى، واستشهد ب 111 سورة و290 آية قرآنية، ثم فسر بالحديث النبوي، واستشهد ب 60 حديثا نبويا، واستشهد بالأقوال والأمثال المأثورة عن العرب فوصل عدد استشهاداته 51 استشهادا، واستشهد ب 111 بيتا شعريا لشعراء من الطبقات الثلاث، فيظهر من خلال هذه الإطلالة الإحصائية طبيعة وملامح الشخصية العلمية لابن قتيبة الموسوعية والممنهجة والمنسجمة مع توجهه الاعتقادي بصفته أحد أعلام أهل السنة والجماعة.
- لم يظهر على ابن قتيبة  النزوع إلى الاجتهاد العقلي؛ فلم يتوغل في تقاليب الكلمات ولا اشتقاقاتها، ولا مجازاتها، بل أخذ الاستشهادات على معانيها الظاهرة سيرا على نهج ابن عباس في مسائل نافع.
- جانب ابن قتيبة الصواب في بعض اجتهاداته، والتي لم يبنها على اشتقاق الكلمة؛ ومن ذلك تفسيره لقول الله تعالى في سورة الرعد الآية 4: [9] «وفي الأرض قطع متجاورات» «بقرى متجاورات» والصواب، حسب المحقق، أن يتركها على أصلها ولينصرف إلى تفسير التجاور كما فعل الطبري؛ حيث فسرها ب: "في الأرض قطع متقاربة بالجوار".
- لم يراع المؤلف أي ترتيب في القسمين الأولين؛ فقد وقف في القسم الأول على تفسير أسماء الله الحسنى من دون ترتيب وذكر في أولها: الرحمن، فالرحيم، فالسلام، فالقيوم، فالسبوح .. وفي القسم الثاني:  الجن والناس، فإبليس، فالشرك ..إلخ.
- ومن الملاحظات في التفسير كذلك  اعتماده على شعر وأقوال من غير معرفة قائلها مأخوذة من كتب اللغة، فرمى بمسؤولية ذلك على أصحاب اللغة؛  ومن أمثلتها كتب الأمثال [10]، علما أن اختلاف غرضي اللغويين والمفسرين يوجب اختلاف المنهجين؛ لأن اللغويين همهم هو الكلام الإنساني، أما المفسرون فَهَمُّهم هم الكلام الإلهي.
- ومن منهجه في الاستشهاد اعتماده على شعر ثلاث طبقات:
أ- الشعراء الجاهليون: كامرئ القيس، ولبيد، والأعشى...إلخ
ب- الشعراء المخضرمون: كالأخطل، والخنساء...
ت- والشعراء الأمويون: عروة بن أذينة الليثي، وذو الرمة..
ولم أجد استشهادات لشعراء من الطبقة الرابعة وهذا يبين ملمحا آخر في منهجه قوامه الاستشهاد بشعر القدامى، والأكثر قربا من زمن الوحي.
- ومن الملاحظات كذلك أن ابن قتيبة تعامل مع المفردات القرآنية في معناها الأساس ولم يشر إلى ما يمكن أن يكون متعالقا معها من المعاني بفعل السياق، ولبيان ذلك فسر ابن قتيبة الآية 67 من سورة المائدة "والله يعصمك من الناس" بقوله: «أي الله يمنعك منهم[11]،  وعصمة الله إنما منعه العبد من المعاصي، ويقال هذا طعام لا يعصم أي لا يمنع من الجوع»، أما الزمخشري في الكشاف فقد ربطها بالسياق الوارد في السنة النبوية فيقول في الكشاف أن العصمة من الناس يراد بها العصمة من القتل، قال:« فإن قلت أين ضمان العصمة وقد شُج في وجهه يوم أحد وكُسرت رباعيته صلوات الله عليه؟ قلت المراد أنه يعصمه من القتل»[12] .
- ظهر ابن قتيبة في منهجه في تفسير الغريب بكل خصائص المفسر السني الذي أخلص لمبادئ أهل السنة والجماعة؛ فتجنب الاجتهاد العقلي، وآثر النقل، غير أنه تساهل وتوسع في اعتماد الرواية الشعرية وأقوال العرب؛ فأخذ القول عن مجهول تحت مسمى "قول قائل"، و"قال الشاعر"، وغيرها، فاتفق مع الزمخشري في هذا الإطار, وهذا وجه التأثر بمنهج اللغويين في تعاملهم مع اللغة خاصة الكوفيين الذي ينتمي إليهم بالنشأة .
هذا منهج ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ظهرت من خلاله شخصيته اللغوية والفقهية، كما ظهر من خلاله منهج أهل السنة والجماعة في تفسير الغريب، فكان ذلك سندا كبيرا لانتشار الكتاب ونجاحه  بصفته أهم كتب تفسير الغريب في العالم الإسلامي إلى اليوم.
المصادر والمراجع:
1- ابن قتيبة، تفسير غريب القرآن، تحقيق أحمد صقر، مطبعة دار الكتب العلمية يبروت، لبنان، 1978.
        2 - الزمخشري، الكشاف عن غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج1. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي أحمد معوض، مكتبة العبيكان، 1998.
       3 - ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف – القاهرة.
    4 - مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عباس، تحقيق محمد أحمد الدالي، مطبعة الجفان والجابي، قبرص، ط: 1،1993.
     5- الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، نشر وتصحيح محمود شكري الألوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، لبنان،ج1.




________________________________________

:مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عباس تحقيق محمد احمد الدالي،ط: 1،1993،ص:7و8.[1]
[2]: الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، نشر وتصحيح محمود شكري الألوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، لبنان،ج1، ص:4.
[3] :ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف - القاهرة، مادة: [غ. ر. ب].

:ابن قتيبة، تفسير غريب القرآن، تحقيق أحمد صقر، مطبعة دار الكتب العلمية يبروت، ص: 3ـ 4 [4]
: ابن قتيبة، تفسير غريب القرآن، تحقيق أحمد صقر، مطبعة دار الكتب العلمية يبروت، ص:.3و4.[5]
: نفس المرجع ص : 37.[6]
:نفسه،ص:75.[7]
:نفسه، ص:27.[8]
:نفسه،ص: 224.[9]
:نفسه ص 97[10]
:نفس الرجع،ص145.[11]
: الزمخشري، الكشاف،ج1،ص 268.[12]